عواصم-سانا
تشهد المناطق القطبية ظاهرة طبيعية غريبة تُعرف باسم “إصبع الموت الجليدي”، وهي تشكيلات جليدية تنمو تحت سطح مياه المحيط المتجمد، وتمتد نحو قاع البحر على شكل أعمدة جليدية قاتلة للكائنات الصغيرة، في مشهد يوصف بأنه من أكثر الظواهر القاسية في البيئات الباردة.
وتُعد هذه الظاهرة من الموضوعات التي أثارت اهتمام العلماء لما تحمله من دلالات على ديناميكيات الجليد في أعماق البحار.
ظاهرة تتشكل في أعماق المحيط المتجمد
تتكون هذه الأعمدة الجليدية وفق الوكالة الأمريكية المتخصصة في علوم المحيطات والغلاف الجوي والتي تُجري أبحاثاً حول المناخ والظواهر البحرية والجليدية في العالم،
National Oceanic and Atmospheric Administration (NOAA) عندما تتدفق المياه شديدة الملوحة والبرودة من تحت الصفائح الجليدية إلى مياه المحيط، فتتجمد تدريجياً أثناء نزولها، مشكلة هياكل جليدية تمتد إلى الأسفل، ويؤدي هذا التدفق إلى تجميد كل ما يلامسه من كائنات بحرية صغيرة، ما يمنح الظاهرة اسمها المثير “إصبع الموت الجليدي”.
وبحسب الوكالة فإن هذه الظاهرة تُلاحظ بشكل خاص في بحر القطب الشمالي والقطب الجنوبي، حيث تتوفر الظروف المثالية لتشكل هذا النوع من الجليد غير المعتاد.
تأثيرات بيئية قاسية على الكائنات البحرية
تُعد “أصابع الموت الجليدي” خطراً مباشراً على الكائنات الدقيقة في قاع البحر، حيث تؤدي إلى تجميدها في أماكنها، ما يخلق مناطق شبه خالية من الحياة في بعض البيئات القطبية، كما يمكن أن تؤثر هذه التكوينات على توزيع الغذاء والموائل البحرية في تلك المناطق الحساسة.
ورغم ذلك، يرى العلماء وفق مؤسسة British Antarctic Survey البريطانية المتخصصة في أبحاث القطب الجنوبي، ودراسة المناخ والأنظمة البيئية في المناطق القطبية وتأثيراتها العالمية، أن هذه الظاهرة تلعب دوراً في إعادة تشكيل التوازن البيئي في القطبين، من خلال التأثير في حركة المياه المالحة وتيارات الأعماق، وهو ما يجعلها جزءاً من النظام البيئي المعقد في المحيطات الباردة.
أهمية علمية في دراسة تغير المناخ
يساعد فهم هذه الظاهرة العلماء على تحليل كيفية تفاعل الجليد البحري مع المحيطات العميقة، وهو أمر مهم في تتبع آثار التغير المناخي، فذوبان الجليد وزيادة تدفق المياه الباردة والمالحة قد يؤديان إلى تغيرات في تشكل هذه الأعمدة الجليدية.
كما تُستخدم هذه الظاهرة وفق الهيئة الدولية المعنية بتقييم تغير المناخ
Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC)، كأحد المؤشرات الطبيعية التي تساعد في فهم ديناميكيات القطبين وتغيراتها المستمرة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وتُظهر ظاهرة “إصبع الموت الجليدي” جانباً فريداً من قسوة وجمال البيئات القطبية، حيث تتداخل العمليات الطبيعية المعقدة لتشكيل مشاهد تحت بحرية غير مألوفة.
كما تؤكد الأبحاث العلمية أن هذه الظاهرة ليست مجرد تكوين جليدي غريب، بل عنصر مهم في فهم توازن النظم البيئية في أكثر مناطق الأرض تطرفاً، ما يستدعي مواصلة الدراسات حولها في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.