عواصم-سانا
في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم تعد الأجهزة الذكية مجرد أدوات للتواصل والمعرفة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، ولا سيما لدى فئة الشباب، ما أثار تساؤلات متزايدة حول انعكاسات هذا الاستخدام المكثف على الصحة العامة، وعلى رأسها اضطرابات النوم التي باتت تشكل تحدياً صحياً متنامياً في مختلف المجتمعات.
علاقة وثيقة بين التكنولوجيا واضطرابات النوم
تشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط وثيق بين الإفراط في استخدام التكنولوجيا وتراجع جودة النوم لدى الشباب، إذ أظهرت مراجعة علمية منشورة على موقع ResearchGate العلمي، أن الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية يرتبط بزيادة ملحوظة في مشكلات النوم، بما في ذلك الأرق وقلة عدد ساعات النوم مقارنة بالاستخدام المعتدل.
كما بينت دراسة متخصصة أن التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات قبل النوم، يؤثر سلباً على إفراز هرمون “الميلاتونين” المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية، ما يؤدي إلى تأخر النوم واضطراب دوراته الطبيعية، وذلك وفقاً لموقع PubMed Central التابع للمكتبة الوطنية للطب الأمريكية.
وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة أجرتها جامعة هارفارد بالتعاون مع كلية الطب في جامعة بنسلفانيا، أن الاستخدام الليلي للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية يرتبط بانخفاض جودة النوم وزيادة الشعور بالتعب خلال النهار، إضافة إلى ارتفاع معدلات الأرق بين المستخدمين.
آثار نفسية وسلوكية مرافقة
من جانب آخر، أظهرت أبحاث منشورة في المجلة الإلكترونية للدراسات التربوية والنفسية، أن ما يُعرف بـ“الاستخدام الإشكالي للإنترنت” بين المراهقين، يرتبط بزيادة القلق واضطرابات النوم، حيث يدخل المستخدمون في حلقة مفرغة من السهر والإجهاد، ما ينعكس سلباً على نشاطهم اليومي وأدائهم الدراسي.
ويرى متخصصون في الصحة النفسية، أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في أنماط استخدامها، ولا سيما خلال ساعات ما قبل النوم، مؤكدين أن غياب الوعي الرقمي وتنظيم الوقت يسهمان في تفاقم هذه الظاهرة.
نصائح طبية للحد من المشكلة
في المقابل، يقدم أطباء وخبراء الصحة مجموعة من الإرشادات العملية للتخفيف من آثار الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، حيث أشار موقع WebMD الطبي إلى أن تقليل التعرض للضوء الأزرق عبر إيقاف استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم بوقت كافٍ يُعد من أبسط الطرق لتحسين جودة النوم، مع إمكانية خفض سطوع الشاشة أو استخدام الإضاءة الليلية.
كما شدد مختصون، وفق موقع Sleep Foundation، المتخصص في صحة النوم، على أهمية ما يُعرف بـ“نظافة النوم”، والتي تتضمن الالتزام بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، وتخصيص فترة هدوء قبل النوم تتراوح بين 30 و60 دقيقة بعيداً عن الأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى تخفيف الإضاءة في البيئة المحيطة.
ومن بين التوصيات أيضاً، تجنب استخدام الأجهزة الذكية داخل غرفة النوم أو إبعادها عن السرير، لما لذلك من دور في تقليل التحفيز الذهني واستقرار الساعة البيولوجية.
نحو استخدام متوازن للتكنولوجيا
يؤكد الخبراء أن هذه الإجراءات، رغم بساطتها، يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في تحسين جودة النوم لدى الشباب، شرط الالتزام بها بشكل منتظم، مع ضرورة استشارة الطبيب في حال استمرار الأعراض.
وفي المحصلة، يبقى تحقيق التوازن في استخدام التكنولوجيا وتعزيز الوعي بعادات النوم الصحية، مسؤولية مشتركة بين الأفراد والأسر والمؤسسات التعليمية، بما يسهم في الحد من هذه الظاهرة المتنامية والحفاظ على الصحة العامة وجودة الحياة.