عواصم-سانا
يشهد العالم تحولاً متسارعاً في طبيعة العمل مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف القطاعات، حيث لم يعد المستقبل مرتبطاً بمن ينفذ المهام فقط، بل بمن يمتلك القدرة على إعادة تعريفها وتطويرها، وتشير التوجهات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الإنسان، لكنه سيقصي المهارات التقليدية الجامدة، ويعزز مكانة من يتقن التعاون معه بفعالية.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سوق العمل
أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في سوق العمل عبر أتمتة المهام الروتينية ورفع الإنتاجية وخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات تقنية وإبداعية، ورغم أن بعض الوظائف الإدارية مرشحة للاختفاء، إلا أن العديد من المهن ستُعاد صياغتها لتعزيز القدرات البشرية بدلاً من استبدالها.
وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، لا تزال مهارات التفكير التحليلي والمرونة والقدرة على التكيف في مقدمة المهارات المطلوبة، إلى جانب القيادة والتأثير الاجتماعي، كما أصبحت الثقافة التكنولوجية، والتعاطف، والإنصات النشط، والفضول والتعلم المستمر من المهارات الجوهرية في سوق العمل الحديث.
مهارات المستقبل… مزيج من التقنية والإنسانية
يؤكد خبراء أن أسرع المهارات نمواً خلال السنوات المقبلة تشمل الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة، الأمن السيبراني، الشبكات، الثقافة التكنولوجية، إضافة إلى مهارات إنسانية مثل التفكير الإبداعي والمرونة والتعلم المستمر.
وفي هذا السياق، يؤكد عضو مجلس إدارة الاتحاد الدولي للتوظيف والرئيس التنفيذي لشركة Manpower Egypt محمد الدروي لمجلة فوربس الشرق الأوسط، أن الخريجين الجدد يدخلون اليوم سوق عمل “مختلفاً جذرياً”، وأن الإلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي أصبح شرطاً مهنياً أساسياً وليس مجرد ميزة إضافية.
إعادة تشكيل قيمة الوظائف
ووفق تقرير لشركة ماكنزي آند كومباني حول الشراكة بين البشر والروبوتات، ارتفع الطلب على “المهارة في الذكاء الاصطناعي” في إعلانات الوظائف الأمريكية بنحو سبعة أضعاف حتى منتصف 2025، وأصبحت هذه المهارة شرطًا في وظائف يشغلها نحو سبعة ملايين شخص.
وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030 سيتم خلق 170 مليون وظيفة جديدة مقابل اختفاء نحو 92 مليون وظيفة، بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة، في حين ستتغير 39% من المهارات الأساسية المطلوبة، ما يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العمل.
الخريجون الجدد… واقع مهني مختلف
ووفق البيانات الاقتصادية، يدخل الخريجون اليوم سوقاً يعتمد بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وكتابة التقارير وإنتاج المحتوى وبعض مهام البرمجة، ما يجعل الإلمام بهذه التقنيات ضرورة مهنية لا يمكن تجاوزها.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي تراجعاً في وظائف مثل أمناء الصناديق، موظفي التذاكر، المساعدين الإداريين، العاملين في الطباعة، والمحاسبين والمدققين، وتشير الدراسات إلى أن وظيفة واحدة من كل أربع وظائف عالمياً معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، غالباً عبر تحول طبيعة المهام وليس الاستبدال الكامل.
في المقابل، تبقى مهن مثل الجراحين والمحامين والقضاة أقل عرضة للاستبدال، لاعتمادها على المسؤولية العالية والتفاعل الإنساني والحكم المهني، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة دعم لا بديلاً كاملاً.
ولا يبدو المستقبل مفتوحاً أمام من ينفذ المهمة فقط، بل أمام من يعيد تعريفها ويطوّرها، فالقيمة الحقيقية في سوق العمل الحديث تكمن في دمج الذكاء البشري مع الذكاء الاصطناعي، وليس في الاعتماد على أحدهما دون الآخر.