دمشق-سانا
تشهد الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي حضوراً متزايداً في تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع السوري، لما توفره من إمكانات واسعة في التواصل وتبادل المعلومات والتعلّم، غير أن هذا الانتشار المتسارع فرض تحولات واضحة في طبيعة العلاقات الإنسانية، ولا سيما داخل الأسرة.
وفي هذا السياق، تتباين الآراء بين من يرى في هذه الوسائل فرصة لتعزيز التعليم وتبادل الخبرات، ومن يحذّر من مخاطر الإفراط في استخدامها، ولا سيما على الأطفال واليافعين، في ظل ما تحمله بعض المنصات من محتوى قد يؤثر في السلوك والقيم والصحة النفسية، ما يجعل من وعي الأسرة والمجتمع عاملاً أساسياً في توجيه هذا الاستخدام نحو المسار الإيجابي.
الأثر النفسي والاجتماعي للهواتف المحمولة
وللحديث عن آثار منصات التواصل الاجتماعي على الأفراد، أوضح مدير برنامج الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور أحمد السلامة لسانا، أن الاستخدام المفرط لهذه الوسائل أسهم في التأثير على الصحة النفسية، لافتاً إلى أن ذلك أدى إلى ظهور التنمر الإلكتروني، الذي بدوره أسهم في ظهور مشكلات نفسية متعددة، مثل العزلة والقلق والاكتئاب، والتي قد تتطور في بعض الحالات إلى مشكلات أخطر.
وأضاف السلامة: إن الاستخدام الطويل للهواتف يرافقه تراجع في النشاط البدني واضطرابات النوم، وارتفاع مستويات التوتر والضغط النفسي، مؤكداً أن لهذه الظاهرة أثراً اجتماعياً واضحاً يتمثل في تغير أنماط التواصل، حيث باتت مجموعات من مختلف الأعمار تجتمع لساعات دون تفاعل لفظي أو إنساني مباشر، إضافة إلى التأثير على الحواس والإدراك، إذ أصبحت كثير من المشاعر تُعاش ضمن واقع افتراضي بعيد عن التجربة الواقعية.
كما أشار إلى وجود آثار إيجابية للمنصات الرقمية في مجال الصحة النفسية، أبرزها سهولة الوصول إلى المعلومات الصحية، وإمكانية إيصال الأفكار وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمختلف الفئات العمرية، إضافة إلى خدمات الاستشارات النفسية والخطوط الساخنة التي تُقدّم عن بُعد.
آراء الأسر حول الاستخدام الإيجابي والسلبي
قالت علا الخليل، 54 عاماً، وهي أم لثلاثة أولاد: “إن دخول الهواتف المحمولة ووسائل التواصل إلى المنازل ترك آثاراً متباينة على الأسرة”، موضحةً أن تأثيرها كان إيجابياً في بعض الجوانب وسلبياً في جوانب أخرى.
وبيّنت الخليل أن الاستخدام الإيجابي تمثل في تسهيل الأعمال اليومية وحفظ المعلومات، وخاصة في المجال التعليمي، مشيرةً إلى تجربة ابنها في سنته الجامعية الأولى، حيث ساعدت الدراسة عبر الهاتف المحمول وحضور المحاضرات عن بُعد في توفير الوقت والجهد والتكاليف المادية المرتبطة بالذهاب إلى الجامعة، إضافة إلى إمكانية تسجيل المحاضرات والعودة إليها بسهولة.
كما أشارت إلى التأثير السلبي لوسائل التواصل، وخصوصاً منصة «يوتيوب»، على طفلتها البالغة خمس سنوات، نتيجة التعلق الشديد بمحتوى أفلام الكرتون وبرامج الأطفال.
ولفتت الخليل إلى أن بعض المواد غير الهادفة أدت إلى تشتت فكر الطفلة واكتسابها سلوكيات وأفكاراً بعيدة عن قيم المجتمع، ما تسبب بحالة من العصبية والعزلة، واضطرت الأسرة لتقليل مدة استخدام الهاتف والبرامج الرقمية لحل المشكلة.
من جهتها، أكدت كيندا قرحيلي، أم ومُدرّسة، أن وسائل التواصل الاجتماعي تفرض تحديات كبيرة على الأسرة، وخاصة مع الكم الهائل من مقاطع الفيديو والصور والمنشورات، وما تحمله بعض هذه المحتويات من رسائل مسيئة أو مشوّهة للفكر السليم وغير المتوافقة مع القيم الأخلاقية.
وقالت قرحيلي: “إن حماية الأبناء من هذا المحتوى تتطلب جهداً كبيراً ومتابعة دائمة من قبل الوالدين، إلى جانب توجيههم نحو متابعة الأفكار الإيجابية والتعليمية”، معتبرةً أن الأهم هو بناء قناعة ذاتية لدى الأطفال تدفعهم للابتعاد عن المقاطع غير المناسبة بإرادتهم.
وأضافت: إن وسائل التواصل قدمت لها أيضاً فوائد تعليمية مهمة، وساعدتها على فهم الدروس بشكل أفضل، وتمكينها من شرحها لأبنائها بطرق أبسط وأكثر فاعلية.
تجارب الأطفال الإيجابية مع التكنولوجيا
بدورهم، شارك الأخوان يحيى وكاتيا ديب تجربتهما مع وسائل التواصل، حيث أسس يحيى، الطالب في الصف الخامس، قناة علمية على يوتيوب بعنوان “هل تعلم”، لدعوة أقرانه لاستخدام المنصات بشكل مفيد والابتعاد عن المحتوى السلبي.
فيما أوضحت كاتيا، الطالبة في الصف السابع، أنها استفادت من هذه المنصات في التعليم وتنمية مهاراتها في المشغولات اليدوية وتصميم الإكسسوارات، ما عزز إبداعها واستغلالها وقت الفراغ بشكل مفيد.
وشهد المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً للهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أحدثت تغيراً ملحوظاً في أنماط التواصل بين الأفراد والمجموعات، ما يستدعي وعياً أكبر من الأسر والمجتمع للتعامل مع هذه الظاهرة بشكل إيجابي.