القنيطرة-سانا
يعيش سكان البلدات الحدودية حالة مستمرة من التوتر الشديد والترقب، نتيجة تفاقم الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة منذ التحرير، إذ أخذت هذه الاعتداءات الممنهجة منحىً تصاعدياً خطيراً طال كل مقومات الحياة.
وتتنوع هذه الممارسات الممنهجة بين التوغلات البرية، وعمليات الهدم، واعتقال المدنيين، واستهدافهم المباشر، إلى جانب قضم الأراضي الزراعية وتدمير البنية التحتية، ما خلّف تداعيات إنسانية ومعيشية كارثية على سكان المنطقة.
تداعيات الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة
وفي هذا السياق، أكد مدير مديرية الإعلام في القنيطرة، محمد السعيد، في تصريح لمراسل “سانا”، أن الوضع الميداني يتسم بالضغط النفسي والأمني المستمر المفروض على الأهالي، مشدداً على أن ما يجري يمثل أسلوباً ممنهجاً من الاعتداءات المتكررة.
وأوضح السعيد أن تداعيات التصعيد العسكري طالت مقومات الحياة الأساسية والبنية التحتية في المنطقة، حيث شملت الأضرار تدمير الطرقات الحيوية وشبكات المياه الرئيسية وتخريب الممتلكات.
الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة بالأرقام
وثقت مديرية الإعلام الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة التي طالت أبناء ريف المحافظة منذ التحرير وحتى الآن حيث جاءت على الشكل الآتي:
– اعتقال 47 مواطناً سورياً بشكل تعسفي جرى اقتيادهم إلى جهات مجهولة.
– هدم 16 منزلاً في قرية الحميدية بعد تهجير سكانها قسراً بقوة السلاح.
ويقول حسن سعد الدين أحمد (والد أحد المعتقلين): إن الأنباء حول مصير أبنائهم “شبه معدومة”، لافتاً إلى أن منظمة الصليب الأحمر الدولي أكدت للأهالي أن الجانب الإسرائيلي ينكر وجود عدد كبير من المعتقلين لديه، ويرفض الاعتراف باحتجازهم رسمياً.
وأضاف حسن: إن هناك تسريبات غير مؤكدة تشير إلى زج أبنائهم في فرع تحقيق يُعرف باسم “سيديمان”، معبراً مع عدد من ذوي المعتقلين عن قلقهم البالغ إزاء الأوضاع الصحية السيئة للمحتجزين، في ظل ما بلغهم من انتشار الأمراض الجلدية المعدية مثل مرض الجرب داخل أماكن الاحتجاز وسط غياب تام للرعاية الطبية.
وقفات احتجاجية أمام مقر الأندوف
أمام هذا التعتيم المتعمد، نظم ذوو المعتقلين وأهالي المحافظة وقفات احتجاجية أمام مقر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف) في القنيطرة، وطالبوا المجتمع الدولي بالتدخل الفوري للكشف عن مصير أبنائهم وإلزام الاحتلال بالإفراج عنهم.
استهداف مباشر للمدنيين بالرصاص والقذائف
ولم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة عند الاعتقال والتهجير، بل تعدتها إلى استهداف المدنيين بشكل مباشر، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا.
ففي الـ 28 من تشرين الثاني 2025 سقط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح (بينهم أطفال) جراء العدوان الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق، جرى نقلهم إلى مشافي دمشق والقنيطرة.
وفي الـ 9 من كانون الأول من العام نفسه أطلقت قوات الاحتلال النار على مدنيين أثناء نصب حاجز مؤقت على مدخل بلدة خان أرنبة في القنيطرة، ما أدى إلى إصابة 3 أشخاص بجروح.
أما في الـ 3 من نيسان 2026 فاستهدفت قوات الاحتلال الشاب أسامة الفهد (من أبناء قرية الزعرورة) بقذيفة دبابة أثناء وجوده داخل سيارته في الريف الجنوبي، ما أدى إلى مقتله.
اقتطاع 10 آلاف دونم من جباتا الخشب
بحسب رئيس اتحاد الفلاحين في القنيطرة، المهندس عبد الرحمن خلف، فإن الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة شملت ملاحقة الرعاة، ومضايقتهم، ورش مبيدات كيميائية تالفة على المحاصيل، إضافة إلى اقتطاع مساحات زراعية.
من جانبه، كشف مختار بلدة جباتا الخشب، محمد مريود، عن قيام قوات الاحتلال باقتطاع نحو 10 آلاف دونم من أراضي البلدة عقب توغلها بعد عام 2024، شملت أراضي حراجية، ومراعي طبيعية، وأراضي زراعية مستصلحة سابقاً.
خندق “صوفا 53” و9 نقاط عسكرية متقدمة
وسارعت قوات الاحتلال بعد سقوط النظام البائد، إلى تعزيز وجودها العسكري الميداني في ريف القنيطرة ومناطق حدودية جنوب البلاد.
وأكد مراسل سانا أن الاحتلال أنشأ 9 نقاط متقدمة داخل الأراضي السورية لفرض واقع عسكري جديد، توزعت في جبل الشيخ وقرص النفل والتلول الحمر وحرش جباتا الخشب والحميدية والعدنانية وتل الأحمر الغربي وقاعدة القنيطرة المهدمة، ونقطة الجزيرة في ريف درعا.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بتأسيس هذه النقاط، بل أنشأت ما يُعرف بـ”خط صوفا 53″، وهو خندق عسكري ضخم أقامته قوات الاحتلال على طول خط الفصل، ما تسبب في عزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة وحرمان أصحابها منها، وتقييد حركة تنقل الأهالي.
قوات الأندوف.. توثيق ومراقبة فقط
ورغم انتشار قوات “الأندوف” الدولية التابعة للأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في المنطقة، إلا أن صلاحيتها التي تتركز على مراقبة تطبيق وقف إطلاق النار وتوثيق الخروقات الميدانية على طول خط الفصل فقط، يترك مدنيي ريف القنيطرة عُزلاً أمام آلة البطش الإسرائيلية المستمرة.
وأمام هذا الحال، لا تزال مناشدات أهالي ريف المحافظة المتواصلة، بضرورة تأمين حماية فورية وحقيقية لهم ولممتلكاتهم، تصطدم بجدار الصمت الدولي.
في المقابل، يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته الممنهجة ضارباً عرض الحائط بكل القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974؛ بمواجهة مجتمع محلي أعزل، لكنه يصر على الصمود فوق أرضه رغم وطأة الحصار والعسكرة.