دمشق-سانا
أكّد الحقوقي السوري سامر الضيعي أن العثور على ذخائر كيميائية ومواد تدخل في تصنيع غاز السارين، تعود لحقبة النظام البائد، يمثّل واحداً من أعلى درجات الإثبات الجنائي في هذا الملف، مشيراً إلى أن الرسالة الأبرز فيها أن المساءلة لا تقف عند رأس النظام البائد، بل تشمل المنظومة بأكملها: العسكري الذي أصدر الأمر، والسياسي الذي وفّر الغطاء، والتقني الذي نفّذ التصنيع.
وفي تصريح خاص لـ سانا، قال الضيعي: إن أهمية الاكتشاف لا تكمن فقط في وجود الذخائر ذاتها، بل في طبيعتها وتركيبتها، ولا سيما مادة الهيكسامين التي تُعدّ “بصمة كيميائية” تربط الصيغة الخاصة التي اعتمدها النظام البائد في إنتاج السارين بهجمات الغوطة واللطامنة.
الأدلة المادية لا تُكذّب ولا تُنكَر
وأوضح أن الأدلة المادية لا تُكذّب ولا تُنكَر، وأنها تُخرج الجريمة من حيّز السرديات المتضاربة إلى حيّز المادة الملموسة، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة عدم وصف أي دليل منفرد بأنه حاسم، لأن الحسم القانوني يتحقق فقط عندما تتكامل الأدلة المادية مع الوثائق والشهادات وتحليل سلسلة الأوامر.
وأضاف: إن آلاف الصفحات من الوثائق التي عُثر عليها تشكّل عنصراً مكمّلاً، لأنها تكشف بنية البرنامج الكيميائي وسلسلة المسؤولية داخله، لافتاً إلى أن القيمة القانونية لما تم اكتشافه تتعزّز لأنها نُقلت إلى مخازن مخصّصة بعد التحقق من قبل الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ضمن سلسلة حيازة موثّقة تضمن قبولها أمام القضاء الوطني والدولي.
واعتبر الضيعي أن هذا الجانب الإجرائي أساسي لضمان صلاحية الدليل، لأن أي خلل في إجراءات النقل أو التوثيق قد يهدد إمكانية استخدام الأدلة لاحقاً.
مسؤولية المنظومة لا الأفراد فقط
وقال الضيعي: إن الرسالة الأبرز في هذه الاكتشافات هي أن المساءلة لا تقف عند رأس النظام البائد، بل تشمل المنظومة بأكملها؛ العسكري الذي أصدر الأمر، والسياسي الذي وفّر الغطاء، والتقني الذي نفّذ التصنيع، موضحا أن توقيف مسؤولين عسكريين وتقنيين يؤكد قاعدة راسخة منذ محاكمات نورمبرغ: “لا تنفيذ الأوامر عذراً، ولا الصفة العلمية أو الفنية درعاً من المساءلة”.
وأضاف: إن المعلومات المستخلصة من المواد المضبوطة يمكن أن تشكّل أساساً لمسارين متوازيين هما المساءلة الجنائية، وجبر الضرر، فتلك المعلومات تكشف بنية اتخاذ القرار داخل أجهزة الدولة، وتربط بين الفعل والضرر، وهو ما يُعدّ حجر الزاوية في دعاوى التعويض أمام القضاء المدني أو آليات العدالة الانتقالية.
الحق في الحقيقة.. وردّ الاعتبار للضحايا
ورأى الضيعي أن لهذا الاكتشاف بُعداً معنوياً عميقاً، لأنه يقطع الطريق على سنوات من الإنكار والتشكيك، مبيناً أن عائلات الضحايا التي حملت ذاكرة الغوطة واللطامنة وخان شيخون انتظرت أكثر من عقد لتصل إلى لحظة تُثبَت فيها الحقيقة رسمياً.
واعتبر أن الحق في معرفة الحقيقة حقّ فردي وجماعي في آن، وأن الاكتشاف يؤسس لسجلّ رسمي يصعب طمسه، لكنه بداية لا نهاية، لأن الحقيقة لا تكتمل بمجرد العثور على الذخائر، بل عبر مأسستها في سجل وطني وآلية لقول الحقيقة كاملة للناس.
بين التخلص من الإرث الكيميائي وحفظ الأدلة
وتناول الضيعي مسألة التخلص الآمن من المواد الكيميائية الخطرة، وضرورة الحفاظ عليها بوصفها أدلة، وقال: إن المعادلة الصحيحة هي أن إتلاف السلاح يجب ألا يُتلف الدليل، مشيراً إلى ضرورة التوثيق والتصوير وأخذ العينات قبل أي عملية تدمير، معتبراً أن عملية التحقق التي تشرف عليها المنظمة تخدم هذا الهدف.
وأوضح أن ملف الأسلحة الكيميائية يلامس جميع دعائم العدالة الانتقالية: الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، ضمانات عدم التكرار، وإصلاح المؤسسات، وقال: إن الجبر لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل الرعاية الطبية للناجين وتخليد الذاكرة، فيما تتطلب ضمانات عدم التكرار تفكيك المؤسسات التي احتضنت البرنامج الكيميائي.
وأكد الضيعي أن الأثر السياسي الأبرز للاكتشافات هو انقلاب المعادلة رأساً على عقب، فبعد سنوات من العرقلة والإنكار، باتت سوريا الجديدة شريكاً يكشف ويسلّم ويتعاون، وهو ما يعيد بناء الثقة الدولية بالدولة السورية، مبيناً أن تصريحات المدير العام لمنظمة الحظر، التي أكد فيها أن النظام البائد ضلّل المجتمع الدولي، تعزّز هذا التحول.