دمشق-سانا
في صباحات العيد، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت المهنئين، يحمل كبار السن ذاكرة واسعة تمتد لعقود طويلة، تختزن الفرح والوجع معاً، وبينما تتجدد طقوس العيد كل عام، تبقى قصصهم شاهداً على زمن مضى، وعلى روابط عائلية لا تزال تمنح الحياة معناها.
وفي معضمية الشام بريف دمشق، كما في كل بيت سوري يبقى العيد فرصة لتجديد الأمل، ولتذكير الأجيال بأن الفرح الحقيقي يبدأ من دفء العائلة وقرب الأحبة.
وبالرغم من ظروف ومعاناة الحياة خلال السنوات السابقة، لا تزال ذاكرة كبار السن معلقة بأعياد مضت، كانت فيها الأبواب لا تُغلق، والقلوب لا تعرف المسافات، حيث يجتمع الأقارب والجيران حول موائد عامرة بالمحبة قبل الطعام، وأن تلك الأيام ببساطتها ودفئها، لم تكن مجرد مناسبات عابرة، بل حكايات من الألفة والتكافل تنبض في وجدانهم.
ألم العيد بغياب الأحباب
أمينة شحادة أمّ تستقبل العيد بغياب ابنها في منزلها المتواضع، بدمعة لا تفارقها منذ أربعة عشر عاماً، يوم اعتقلت الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية ابنها محمد ولم يُعرف مصيره، وبصوت يختنق أكدت أن العيد فقد نكهته منذ غيابه، وفق ما أكدته لمراسلة سانا.
وأوضحت شحادة أنها ورغم هذا الألم تحاول منح أحفادها شيئاً من الفرح، كأم ربّت أبناءها وحدها منذ وفاة زوجها قبل ثلاثة عقود، وتفخر بأنهم جميعاً متعلمون ويتحلون بروح المسؤولية، مؤكدة أن وجودهم حولها هو ما يبقيها قادرة على متابعة الحياة، ويعيد شيئاً من دفء العيد لها مهما صعبت الظروف.
الحاج خليل.. ذاكرة لا تشيخ
على مقربة من منزل أمينة، يستعيد الثمانيني الحاج خليل الخطيب ذكريات أعياد مضت حين كانت العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكاً، والزيارات بين الأقارب عادة لا تنقطع، ويروي تفاصيل حياته كفلاح وتاجر ووجه اجتماعي في المعضمية، مشيراً إلى أنه ساهم في تأسيس أسواق محلية منذ سبعينيات القرن الماضي، وأنه أمضى أكثر من ستين عاماً في التجارة دون أن يسيء لأحد.
وأوضح الخطيب أن العيد بالنسبة له هو فرصة لتجديد الروابط العائلية، حيث يحرص على زيارة أخواته وأقاربه قبل استقبال الأحفاد والمحبين في منزله، مؤكداً أن “العادات القديمة ما زالت حاضرة، وأن العائلة هي أساس الفرح”.
العيد زمن الصلح والمحبة
من جهته أحد وجهاء حي المعضمية إبراهيم الجلب وصف ذكرياته مع العيد بأنه يحمل طابعاً اجتماعياً مميزاً تسوده أجواء المحبة والتسامح، مشيراً إلى أن أبرز العادات القديمة كانت مبادرات الصلح بين المتخاصمين، وتبادل الزيارات بين الأقارب والأصدقاء خلال أيام العيد.
ويستذكر الجلب مراحل من حياته، إذ نشأ في فترة الكتاتيب قبل انتشار التعليم النظامي، ويقول: إن فرحة العيد اليوم تكمن في اجتماع الأسرة حوله، ووجود الأبناء والأحفاد الذين يملؤون البيت بضحكاتهم، وقد تحققت أمنيته بأن يعيش بين أفراد عائلته، ساعياً لتقديم ما يستطيع لهم من تذليل الصعوبات أمامهم.
العيد بين الماضي والحاضر
يرى كبار السن أن العيد تغيّر في تفاصيله، لكنه بقي محتفظاً بروحه الأساسية، اللقاء، والود، وصلة الرحم، مع التأكيد على أن الزيارات البسيطة، وابتسامة حفيد، أو قبلة على جبين أمّ كفيلة بأن تعيد للعيد دفأه مهما أثقلت السنوات القلوب.
وبين وجع أمينة شحادة وحنين الحاج خليل الخطيب وذكريات إبراهيم الجلب، يظهر العيد في عيون المسنين مناسبة تتجاوز الفرح العابر، لتصبح مساحة واسعة لاستعادة الماضي، والاحتفاء بروابط إنسانية تعيد للحياة معناها.
هذا ويحتل عيد الفطر المبارك مكانة خاصة في الوجدان الشعبي السوري، ويشكّل مناسبة تتجدد فيها الروابط العائلية وتتقاطع فيها مشاعر الفرح والحنين، إذ يحرص كبار السن على الحفاظ على طقوس العيد التقليدية التي ورثوها عن الآباء والأجداد.