دمشق-سانا
يشكّل الجيش في أي دولة الركيزة الأساسية للدفاع عنها وحماية حدودها ومواطنيها، وصون استقرارها وأمنها وسيادتها الوطنية، والحفاظ على وحدة أراضيها.
وفي الحالة السورية، مرّ الجيش العربي السوري بتحولات جوهرية خلال العقود الماضية، وخاصة عند المقارنة بين مرحلة النظام البائد الذي سخره لحماية سلطته، ومرحلة ما بعد التحرير التي أعادت طرح سؤال حول جوهر الدور الحقيقي للمؤسسة العسكرية، ووظيفتها الوطنية، ومستقبل العلاقة بين الجيش والمجتمع.
أولاً: طبيعة الدور والوظيفة
في زمن النظام البائد:
تحوّل الجيش العربي السوري تدريجياً من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الحدود والدولة إلى أداة أساسية لحماية السلطة السياسية، فقد جرى توظيفه في كثير من الأحيان لضبط الداخل وقمع الاحتجاجات والمعارضة، ما أدى إلى تآكل صورته كمؤسسة وطنية جامعة لدى شريحة واسعة من المجتمع.
بعد التحرير:
برزت الدعوات لإعادة تعريف دور الجيش ليكون جيشاً وطنياً مهنياً، مهمته الأساسية حماية البلاد والدستور والدفاع عن السيادة، بعيداً عن الانخراط في الصراعات السياسية الداخلية، ويُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الجيش والمجتمع على أساس الثقة والشرعية الوطنية.
ثانياً: البنية والتنظيم
في زمن النظام البائد:
اتسمت بنية الجيش بدرجة عالية من المركزية والولاء للقيادة السياسية، كما لعبت الاعتبارات الأمنية والسياسية دوراً في التعيينات والترقيات داخل المؤسسة العسكرية، ما أثر في مهنية بعض مفاصلها.
بعد التحرير:
تطرح مرحلة ما بعد التحرير مشروع إعادة هيكلة الجيش وفق معايير عسكرية احترافية، تعتمد على الكفاءة والتدريب والالتزام بالعقيدة العسكرية الوطنية، مع تقليص تأثير الاعتبارات السياسية في إدارة المؤسسة العسكرية.
ثالثاً: العلاقة مع المجتمع
في زمن النظام البائد:
تأثرت صورة الجيش لدى فئات واسعة من السوريين نتيجة استخدامه في قمع المظاهرات المنادية إلى الحرية، وقتل مئات الآلاف من المدنيين وتدمير المدن والبلدات والقرى، ما خلق فجوة نفسية واجتماعية بين المجتمع والمؤسسة العسكرية.
بعد التحرير:
أصبحت من أبرز التحديات إعادة بناء الثقة بين الجيش والمجتمع، عبر التأكيد على أن الجيش هو مؤسسة لجميع السوريين، وأن وظيفته حماية الشعب لا الدخول في مواجهته.
رابعاً: العقيدة العسكرية
في زمن النظام البائد:
كانت العقيدة العسكرية مرتبطة بشكل كبير بحماية النظام السياسي القائم والحفاظ على استمراريته.
بعد التحرير:
تتجه الرؤية الجديدة إلى صياغة عقيدة عسكرية وطنية ترتكز على حماية الدولة والشعب والحدود، والالتزام بالقانون والدستور، وإبعاد الجيش عن الاستقطاب السياسي.
تعكس المقارنة بين المرحلتين تحولاً عميقاً في فهم دور الجيش في الدولة السورية، فبينما ارتبطت المرحلة السابقة بجدل كبير حول وظيفة المؤسسة العسكرية، تطرح مرحلة ما بعد التحرير فرصة لإعادة بناء جيش وطني مهني يمثل جميع السوريين ويعمل تحت سلطة القانون والدستور، بما يعزز الاستقرار ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
يشار إلى أن وزارة الدفاع السورية أعلنت أمس الإثنين إطلاق مرحلة جديدة لتطوير وبناء المؤسسة العسكرية، من خلال عملية تقييم شاملة لضباط الجيش العربي السوري بإشراف القيادة العليا، وذلك لبناء جيش يعتمد على الكفاءة، وتطويره على أساس عقيدة عسكرية قائمة على الانضباط والقوانين.