أنقرة-سانا
لم تعد الصناعات الدفاعية التركية تقتصر على تلبية الاحتياجات العسكرية المحلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز القطاعات الصناعية والتكنولوجية في البلاد، مدفوعة باستثمارات كبيرة في البحث والتطوير وبرامج التصنيع الوطني، ما أسهم في زيادة الصادرات العسكرية وتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.
ويأتي الإعلان عن استكمال برنامج محلي لتحديث مقاتلات “إف-16″، ليعكس جانباً من مسار أوسع تسعى من خلاله أنقرة إلى تعزيز استقلالها الدفاعي وتقليص الاعتماد على الأنظمة الأجنبية.
وفي أحدث الخطوات ضمن هذا المسار، ذكرت وكالة الأناضول أن تركيا استكملت اعتماد برنامج وطني لتخطيط المهام الجوية ضمن مشروع “أوزغور” لتحديث مقاتلات “إف-16” بأنظمة وبرمجيات محلية، بما يسمح بدمج مزيد من الأنظمة والذخائر تركية الصنع ويعزز استقلالية القوات الجوية في إدارة أسطولها.
غير أن هذا المشروع لا يمثل سوى جزء من تحول أوسع تشهده الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت أنقرة من التركيز على تلبية احتياجاتها العسكرية إلى تطوير منظومة متكاملة تشمل الطائرات المسيّرة والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والسفن الحربية والبرمجيات العسكرية.
من الاستيراد إلى التصنيع المحلي
وتقول الحكومة التركية: إن أحد الأهداف الرئيسية لهذا التوجه يتمثل في تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب وتعزيز الاستقلالية الدفاعية.
ونقلت وكالة الأناضول عن وزير الدفاع التركي يشار غولر تأكيده خلال افتتاح معرض “ساها 2026” للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء أن تركيا التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في العقود الماضية أصبحت اليوم دولة تصمم وتنتج وتصدر أنظمتها الدفاعية الخاصة.
وأضاف غولر: إن الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي تمثل أبرز مظاهر التحول الذي شهدته الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواصل فيه أنقرة الاستثمار في مشاريع عسكرية متقدمة تشمل الطيران والفضاء والحرب الإلكترونية.
صادرات بمليارات الدولارات
وبالتوازي مع توسع الإنتاج العسكري، تحولت الصناعات الدفاعية إلى قطاع اقتصادي متنامٍ يحقق عائدات متزايدة للاقتصاد التركي.
ووفق معطيات جمعتها وكالة الأناضول من مصادر في القطاع، بلغت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية 7 مليارات و154 مليون دولار خلال عام 2024 مسجلة رقماً قياسياً جديداً.
كما أشارت الوكالة إلى أن تركيا ارتقت إلى المرتبة الحادية عشرة عالمياً بين الدول المصدرة للصناعات الدفاعية، فيما تم تصدير نحو 300 منتج دفاعي إلى أكثر من 180 دولة شملت الطائرات المسيّرة والذخائر الذكية والمركبات البرية والرادارات والمنصات البحرية وأنظمة التسليح المختلفة.
كما ارتفعت صادرات قطاع الصناعات الدفاعية والطيران من نحو 2.2 مليار دولار عام 2020 إلى أكثر من 7 مليارات دولار عام 2024 في مؤشر على النمو المتسارع الذي يشهده القطاع خلال السنوات الأخيرة.
استثمارات في البحث والتطوير
ويستند هذا النمو إلى استثمارات متزايدة في التكنولوجيا والابتكار، ووفق الأناضول، بلغت ميزانية البحث والتطوير في قطاع الصناعات الدفاعية التركية نحو 3 مليارات دولار خلال عام 2024 فيما تجاوزت نسبة المكون المحلي في المنتجات الدفاعية 80 بالمئة.
وتجاوز حجم المشاريع الدفاعية النشطة 100 مليار دولار، بينما يعمل في القطاع أكثر من 3500 شركة تنفذ ما يزيد على 1100 مشروع في مجالات الطيران والفضاء والصواريخ والحرب الإلكترونية والأنظمة البرية والبحرية.
كما تتميز المنتجات الدفاعية التركية بقيمتها المضافة المرتفعة، إذ أوضحت الأناضول أن متوسط قيمة الكيلوغرام الواحد من صادرات الصناعات الدفاعية بلغ نحو 67 دولاراً، بينما تصل قيمة بعض المنتجات المتقدمة إلى عشرات آلاف الدولارات للكيلوغرام الواحد.
مسيرات ومقاتلات ودفاع جوي
وتشمل خطط التطوير التركية مجموعة واسعة من المشاريع العسكرية، من بينها المقاتلة الوطنية “قآن”، والطائرة القتالية المسيّرة “قزل إلما”، وطائرات “تي بي 3” القادرة على الإقلاع والهبوط من السفن، إضافة إلى تطوير الدبابة الوطنية “ألطاي” ومروحية “غوكباي”.
وقال رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون إن عام 2026 سيشهد تسليم الدفعة الأولى من الطائرة القتالية المسيّرة “قزل إلما” للجيش التركي، إلى جانب توقيع عقود الإنتاج المتسلسل للمقاتلة الوطنية “قآن”.
وفي مجال الدفاع الجوي، أعلنت هيئة الصناعات الدفاعية التركية، توقيع عقود بقيمة 6.5 مليارات دولار لتنفيذ مراحل جديدة من مشروع “القبة الفولاذية”، الذي يهدف إلى إنشاء منظومة دفاع جوي متكاملة تعتمد على الرادارات والصواريخ وأنظمة القيادة والسيطرة والبرمجيات المحلية.
توسيع القاعدة الصناعية
ولا يقتصر التوسع على زيادة الإنتاج العسكري فحسب، بل يشمل أيضاً توسيع القاعدة الصناعية داخل تركيا.
ووفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام تركية عن وزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح كاجير، تعمل الحكومة على نشر الصناعات الدفاعية في مدن الأناضول والاستفادة من القدرات الصناعية المتوافرة خارج المراكز التقليدية للصناعة الدفاعية.
وفي هذا الإطار، وسعت شركات كبرى مثل “أسيلسان” و”بايكار” استثماراتها ومراكزها الإنتاجية والتدريبية في عدد من الولايات التركية، بهدف تعزيز سلاسل التوريد ورفع الطاقة الإنتاجية للقطاع وتوفير فرص عمل جديدة.
أهداف إستراتيجية واقتصادية
ومع استمرار الاستثمارات في مشاريع المقاتلات الوطنية والمسيرات وأنظمة الدفاع الجوي والبرمجيات العسكرية، تبدو تركيا ماضية في تعزيز موقعها ضمن سوق الصناعات الدفاعية العالمية، مستفيدة من الطلب المتزايد على التكنولوجيا العسكرية والأنظمة الدفاعية الحديثة، ومن شبكة متنامية من الشراكات والأسواق الخارجية التي باتت تستوعب جزءاً متزايداً من إنتاجها العسكري.