عواصم-سانا
في لحظة مفصلية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ـــ الإيرانية، تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو تثبيت خيار “الحصار الطويل”، كأداة رئيسية لإخضاع طهران، وسط تعثر المسار التفاوضي وتصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
وبين تكثيف العقوبات على طهران وإحكام السيطرة على طرق الملاحة، تتقاطع الحسابات الأمريكية مع تحذيرات أوروبية من تداعيات ممتدة، في وقت يتسع فيه نطاق التوتر ليشمل لبنان وأسواق الطاقة العالمية.
واشنطن تمضي نحو حصار طويل لإيران
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن ترامب وجه مساعديه للاستعداد لفرض حصار مطوّل على إيران، مع تفضيل واضح لهذا الخيار، مقارنة بالتصعيد العسكري المباشر أو الانسحاب.
ووفقاً للتقديرات الأمريكية، فإن الحصار البحري، الذي يستهدف الموانئ الإيرانية وحركة السفن، بدأ بالفعل في خنق الاقتصاد الإيراني، وخاصة مع صعوبات متزايدة في تخزين النفط غير القابل للتصدير.
هذا التوجه يتقاطع مع معطيات نقلتها بلومبرغ، تشير إلى اقتراب منشآت التخزين، وخصوصاً في جزيرة خارك، من طاقتها القصوى، ما قد يجبر طهران على خفض الإنتاج خلال فترة قصيرة، رغم تقديرات أخرى تمنحها هامشاً زمنياً يتراوح بين 12 و22 يوماً.
ترامب يصعد: “انتهى زمن اللطف”
في موازاة ذلك، كثف ترامب من لهجته التصعيدية، معتبراً أن إيران “في حالة انهيار”، وغير قادرة على ترتيب شؤونها أو توقيع اتفاق نووي، وفي رسائل متكررة، شدد على أن بلاده لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ملوحاً باستمرار الضغط حتى تحقيق هذا الهدف.
كما أكد أن إدارته لن تقبل بأي اتفاق “سيئ”، في إشارة إلى رفض المقترحات الإيرانية التي تدعو إلى تأجيل بحث الملف النووي إلى ما بعد وقف الحرب ورفع الحصار.
الخزانة والخارجية: “أقصى ضغط” وتجفيف الموارد
على الأرض، تترجم واشنطن استراتيجيتها عبر أدوات مالية واقتصادية مكثفة، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على عشرات الكيانات المرتبطة بالنظام المصرفي الموازي الإيراني، معتبرة أنه “شريان حيوي” لتمويل الأنشطة العسكرية.
كما حذر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية من أن أي شركة تدفع رسوماً لإيران أو للحرس الثوري، مقابل المرور في مضيق هرمز ستواجه عقوبات صارمة.
بدورها، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن “تمارس أقصى الضغط في شتى المجالات”، مع التركيز على تعطيل تدفقات التمويل غير المشروع وحرمان إيران ووكلائها من الموارد التي تهدد استقرار المنطقة.
أكسيوس: تنسيق يومي مع شركات الطاقة
في مؤشر على البعد الاقتصادي العميق للأزمة، أفاد موقع أكسيوس بأن ترامب يعقد اجتماعات دورية مع كبار التنفيذيين في قطاع النفط، لبحث تداعيات الحرب على الأسواق العالمية.
ويعكس هذا التنسيق قلقاً أمريكياً متزايداً من انعكاسات الحصار والتوترات في مضيق هرمز على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
خيارات عسكرية على الطاولة.. لكن الحصار أولاً
رغم تركيز إدارة ترامب على خيار الحصار، لا تزال الخيارات العسكرية مطروحة، بما في ذلك توجيه ضربات جوية تستهدف قيادات إيرانية، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر أمريكية مطلعة.
وأشارت المصادر نفسها إلى أن السيناريوهات الأكثر تصعيداً، مثل الغزو البري، أصبحت أقل ترجيحاً مقارنةً بالأسابيع الماضية، في ظل تفضيل البيت الأبيض استمرار الضغط الاقتصادي كخيار أقل تكلفة وأكثر استدامة.
في المقابل، تدرس أجهزة الاستخبارات الأمريكية سيناريوهات رد إيران، وخصوصاً في حال إعلان ترامب “نصراً أحادياً”، وسط مخاوف من أن يفسر ذلك في طهران كفرصة لإعادة التموضع.
أسواق الطاقة تحت الضغط
اقتصادياً، انعكست التطورات سريعاً على الأسواق، مع ارتفاع أسعار النفط مجدداً، حيث تجاوز خام برنت عتبة 110 دولارات للبرميل، مدفوعاً بتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وتراجع حركة الشحن.
كما أظهرت بيانات ملاحية انخفاضاً حاداً في عدد السفن العابرة للمضيق، في وقت أجبرت فيه عدة ناقلات نفط إيرانية على العودة، بفعل الحصار الأمريكي.
لبنان: جبهة مفتوحة وتصعيد مستمر
إقليمياً، يتواصل التصعيد في جنوب لبنان، حيث أسفرت غارات إسرائيلية عن سقوط قتلى بينهم مسعفون، في هجمات وصفها مسؤولون لبنانيون بأنها “جرائم حرب”.
في المقابل، تواصل ميليشيا حزب الله عملياتها عبر المسيرات والصواريخ، وسط تبادل للاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، ما يهدد الهدنة الهشة بالانهيار، فيما أكد لبنان في مجلس الأمن رفضه “حروب الآخرين على أراضيه”.
مفاوضات متعثرة ومقترحات مرفوضة
سياسياً، لا تزال المفاوضات غير المباشرة عبر باكستان تراوح مكانها، مع تمسك واشنطن ببحث الملف النووي أولاً، وفق البيت الأبيض ووكالة رويترز، مقابل إصرار طهران على رفع الحصار قبل أي خطوة أخرى.
ورغم الحديث عن مقترحات إيرانية معدلة، تشير المعطيات إلى فجوة واسعة بين الطرفين، تعززها قناعة أمريكية بأن استمرار الحصار لفترة أطول قد يدفع إيران إلى تقديم تنازلات مؤلمة.