القدس المحتلة-سانا
تحدثت صحف غربية، بينها صحيفة لوموند وليبراسيون الفرنسيتان، وغارديان وتلغراف البريطانيتان مؤخراً عن انتقال حكومة بنيامين نتنياهو من إدارة الاحتلال أمنياً إلى محاولة فرض ضم فعلي للضفة الغربية، عبر الدمج بين القوانين العقابية والتوسع الاستيطاني والقوة العسكرية، وسط تصاعد نفوذ وزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن إيتمار بن غفير.
ويأتي ذلك مع تصاعد غير مسبوق في الاستيطان والعنف الميداني والسياسات الإسرائيلية التي تحذر تقارير غربية وأممية من أنها تعيد رسم واقع الاحتلال في الضفة بصورة دائمة.
قانون الموت.. شرعنة القتل
وركزت صحيفة لوموند الفرنسية على ما وصفته بدخول قانون الإعدام الإسرائيلي مرحلة التنفيذ العملي في الضفة الغربية، عبر أوامر عسكرية وقرارات توسع صلاحيات المحاكم العسكرية بحق الفلسطينيين.
وبحسب الصحيفة، فإن القانون لا يقتصر على فرض عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين الذين تتهمهم إسرائيل بتنفيذ عمليات تصنفها إرهابية، بل يوسع أيضاً تعريف الجرائم التي قد تؤدي إلى الحكم بالإعدام، مع تقليص ضمانات المحاكمة العادلة وإلغاء إمكانيات تخفيف الأحكام أو العفو.
ونقلت الصحيفة عن منظمة عدالة الحقوقية قولها: إن الإجراءات الجديدة تخلق نظاماً أكثر تعسفاً وتطرفاً، عبر السماح بإصدار أحكام الإعدام دون إجماع القضاة، ونقل عبء نفي الاتهامات إلى المتهمين أنفسهم.
كما نقلت لوموند عن الجنرال الإسرائيلي آفي بلوث قوله لصحيفة هآرتس: نحن نقتل اليوم كما لم نقتل منذ عام 1967، في مؤشر، وفق الصحيفة، إلى تحول القتل الميداني لسياسة معلنة داخل السلطات العسكرية الإسرائيلية.
ورأت الصحيفة أن هذه القوانين تعكس تعاملاً إسرائيلياً مع الضفة الغربية، كما لو أنها ضُمّت بالفعل، في تجاوز واضح لقواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف.
الاستيطان يبتلع الضفة
في المقابل، ركزت صحيفة ليبراسيون الفرنسية على البعد الاستيطاني، معتبرةً أن حكومة نتنياهو تسابق الزمن لتكريس وقائع جغرافية تمنع أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة.
وتوقفت الصحيفة عند خطة توسيع مشروع E1 الاستيطاني قرب مستوطنة معاليه أدوميم، والذي يهدف إلى ربط المستوطنة بالقدس المحتلة، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
ووصفت الصحيفة قرار إخلاء تجمع خان الأحمر البدوي، بأنه الطلقة الأولى في حرب جديدة ضد السلطة الفلسطينية، مشيرةً إلى أن المشروع ظل مجمداً لسنوات بسبب ضغوط دولية، لأن تنفيذه سيقضي فعلياً على التواصل الجغرافي بين مدن الضفة.
ونقلت ليبراسيون عن سموتريتش قوله خلال مؤتمر صحفي: هذه بلادنا وسنتصرف فيها تصرف المالك في ملكه، في تصريح اعتبرته الصحيفة تعبيراً صريحاً عن مشروع الضم الإسرائيلي.
كما ربطت الصحيفة بين هذا التصعيد واحتمال صدور مذكرات توقيف دولية بحق مسؤولين إسرائيليين، إضافة إلى العقوبات الأوروبية المفروضة على منظمات استيطانية متطرفة، بينها منظمة رغافيم التي شارك سموتريتش في تأسيسها.
عنف المستوطنين.. واقع يومي
بدورها، تحدثت صحيفة تلغراف البريطانية عن تصاعد اعتداءات المستوطنين والتيارات القومية والدينية المتشددة داخل إسرائيل، وخصوصاً خلال فعاليات يوم القدس.
ووفق الصحيفة، شهدت البلدة القديمة في القدس اعتداءات على فلسطينيين ومحال تجارية، وسط هتافات عنصرية وتحريضية ضد العرب، بينما أصبح وزراء اليمين المتطرف يمثلون ثقلاً متزايداً داخل حكومة نتنياهو.
ووثقت تقارير حقوقية اعتداءات متصاعدة شملت إطلاق نار على مدارس فلسطينية، ودهس أطفال، وهدم منشآت تعليمية، واعتداءات على المزارعين، وذكرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أن الجيش الإسرائيلي والمستوطنين نفذوا 1819 اعتداء خلال شهر آذار الماضي وحده، بينها 497 اعتداء نفذها مستوطنون.
فصل عنصري.. وضم زاحف بلا أفق سياسي
وفي كانون الثاني الماضي، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية ترقى إلى نظام فصل وعنصرية ممنهج، مؤكداً أن الفلسطينيين يخضعون إلى معاملة غير متكافئة في حرية الحركة والوصول إلى الأراضي والمياه والخدمات الأساسية.
وفي السياق نفسه، لفت مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا إلى أن أكثر من 1800 اعتداء نفذه مستوطنون ضد فلسطينيين سُجل خلال عام 2025، وهو أعلى معدل منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات عام 2006.
وتجمع التقارير الغربية والأممية على أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد تصعيد أمني عابر، بل تحول تدريجياً إلى مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي والقانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة.