عواصم-سانا
بعد 24 ساعة فقط على إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، بدا المشهد الإقليمي أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل الهدنة، حيث انفجرت جبهة لبنان بتصعيد إسرائيلي غير مسبوق، وسط تلويح طهران بالانسحاب من الاتفاق، وتهديد واشنطن وإسرائيل بالعودة إلى القتال في أي وقت.
التصعيد الميداني ترافق مع خلافات حادة حول تفسير بنود الاتفاق، فيما تتجه الأنظار إلى مفاوضات إسلام آباد التي قد تحدد مسار المرحلة المقبلة.
لم يوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته لطهران، وأكد أن القوات والسفن والطائرات الأمريكية ستبقى في مواقعها حول إيران، وأن أي خرق للاتفاق سيقابل برد ناري سيكون الأكبر والأقوى على الإطلاق، مشدداً على أن أي تسوية لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً وآمناً.
وفي السياق ذاته، حذّر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من أن على طهران الدخول في مفاوضات “بجدية”، وإلا فإن الخيارات العسكرية ستبقى مطروحة.
خلاف حول الهدنة
رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، برز سريعاً الخلاف بين واشنطن وطهران بشأن تفسيراته، وخصوصاً ما يتعلق بلبنان.
فبينما أكدت إيران وباكستان أن الهدنة تشمل جميع الجبهات، شددت الولايات المتحدة وإسرائيل على أنها تقتصر على إيران ولا تمتد إلى لبنان، وهو ما وصفته واشنطن بأنه “سوء فهم إيراني”.
كما نفت الإدارة الأمريكية صحة ما تداولته شبكة “سي إن إن” وصحيفة نيويورك تايمز من نقاط إيرانية حول اتفاق وقف إطلاق النار مع واشنطن، مؤكدةً أنها لا تمثل الاتفاق الحقيقي بين الطرفين.
وكانت الشبكة والصحيفة كشفتا أن النقاط العشر تتضمن الإبقاء على تخصيب اليورانيوم، وضمان السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، إضافة إلى مطالب بسحب القوات الأمريكية من المنطقة.
مقابل النفي الأمريكي تمسكت طهران ببنود تتضمن رفع العقوبات والاعتراف بحق التخصيب، ما يعكس تضارباً واضحاً في الروايات حول مضمون الاتفاق.
لبنان خارج الهدنة
ميدانياً، شهد لبنان أعنف تصعيد منذ سنوات، إذ شن الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 100 غارة خلال دقائق، مستخدماً نحو 50 طائرة مقاتلة، استهدفت قرابة 100 موقع في بيروت والبقاع والجنوب، ما أسفر عن سقوط أكثر من 250 قتيلاً، وأكثر من ألف جريح.
الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من بلدات الجنوب تواصلت اليوم، وأسفرت عن مقتل 17 شخصاً وإصابة آخرين بجروح، و تدمير جسر القاسمية الحيوي الذي يربط بين القطاعات الغربية والوسطى والشرقية جنوبي لبنان.
كما أعلن جيش الاحتلال توسيع عمليته البرية في جنوب لبنان، مؤكداً استهداف بنى تحتية لميليشيا حزب الله والسيطرة على مواقع ميدانية إضافية.
وفي المقابل، أعلنت ميليشيا الحزب إطلاق صلّية صاروخية باتجاه إحدى مستوطنات الاحتلال في أول رد منذ إعلان الهدنة.
هذه التطورات وضعت طهران أمام اختبار صعب بين التزاماتها تجاه حلفائها ومتطلبات التفاوض مع واشنطن، فالصمت تجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان يعني تخليها عن ميليشيا الحزب، وانهيار ما تسميه مع وكلائها بمبدأ “وحدة الساحات”، ورغم إدانتها العدوان الإسرائيلي إلا أنها لم تقدم موقفاً حاسماً بإدراج الوضع في لبنان ضمن المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد.
تصعيد في الخليج ومضيق هرمز
بالتوازي مع التطورات الميدانية، بقي مضيق هرمز ملفاً ضاغطاً على مسار التهدئة، حيث لم يشهد حركة سفن نشطة، رغم تشديد واشنطن على فتحه بشكل كامل وتهديداتها بعواقب خطيرة في حال عدم الالتزام بذلك، فيما أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ضرورة سلوك السفن مسارات بديلة عن الطرق الملاحية المعتادة بسبب الألغام.
كما شهد اليوم الأول من الهدنة اعتراض عدد من المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت السعودية وقطر والبحرين والإمارات والكويت، ما يعكس استمرار التوتر الإقليمي رغم الاتفاق المؤقت.
انفجارات في إيران
رغم توقف الضربات الواسعة على إيران، أفادت وسائل إعلام بسماع انفجارات في مصفاة جزيرة لاوان ومنشآت في جزيرة سيري، نتيجة هجمات، دون إعلان تفاصيل إضافية.
دعوة دولية لتوسيع الهدنة
دعت فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا إلى ضرورة توسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، معتبرةً أن استثناءه يهدد استدامة الاتفاق.
تحرك باكستاني نشط
سياسياً، تواصلت الاتصالات الإقليمية والدولية استعداداً لانطلاق مفاوضات إسلام آباد،
حيث تحدث وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار هاتفياً مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، وتواصل رئيس الوزراء شهباز شريف مع ولي العهد الكويتي والرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والإيراني مسعود بزشكيان.
كما أدانت باكستان الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، مؤكدةً ضرورة تحرك دولي عاجل لوقف الانتهاكات.
في ظل التطورات المتسارعة تبدو إسلام آباد التي يصلها الوفد الإيراني مساء اليوم تمهيداً لبدء المفاوضات غداً الجمعة مع الوفد الأمريكي الذي يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، محطةً حاسمةً فإما أن تُنتج اتفاقاً شاملاً ينهي الحرب، أو أنها ستكون مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من المواجهة.