عواصم-سانا
تشهد ميادين الصراع حول العالم تحولاً جذرياً تقوده الطائرات المسيّرة، التي باتت في صدارة أدوات الحروب الحديثة، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا وآسيا، ومع تصاعد دورها العملياتي، تتسارع الدول الكبرى نحو تطوير صناعاتها ونقل خطوط إنتاجها إلى مناطق التوتر، في سباق يعيد تشكيل العقائد العسكرية وسلاسل التوريد الدفاعية.
وتتجه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تعزيز قدراتهم، عبر نقل إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مواقع أقرب للتهديدات، وخصوصاً في آسيا والمحيط الهادئ، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية برامج مشتركة مع دول مثل اليابان لإنتاج محركات الصواريخ الصلبة، وتطوير سلاسل إمداد موحدة للمسيّرات، كما يجري بحث إنشاء خطوط لإنتاج الذخيرة في الفلبين، بهدف تقليص زمن الإمداد وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية التي أظهرت هشاشتها خلال الأزمات الأخيرة.
أوكرانيا.. من ساحة حرب إلى مركز تصنيع
في موازاة ذلك، أعلنت أوكرانيا قدرتها على إنتاج نحو 2000 مسيّرة اعتراضية يومياً، مع إمكانية تزويد الحلفاء بنصفها، في مؤشر على تحولها إلى مركز تصنيع عسكري متقدم، كما بدأت كييف تصدير خبراتها في مكافحة المسيّرات إلى مناطق عدة، بينها الشرق الأوسط، مستفيدة من خبرة ميدانية اكتسبتها خلال الحرب مع روسيا.
وتعمل أوكرانيا على تطوير نماذج جديدة تشمل مسيّرات بحرية وتحت الماء، ما يوسع نطاق استخدام هذا السلاح، حيث وقّعت اتفاقية شراكة دفاعية مع بريطانيا لتعزيز إنتاج المسيّرات منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة.
وأضافت الخبرة الأوكرانية بعداً جديداً، إذ لم يعد التفوق في المسيّرات مرتبطاً بالصناعة فقط، بل بالخبرة التكتيكية في مواجهة أنظمة متقدمة، ما يعزز قيمتها كأداة نفوذ.
سلاح منخفض التكلفة عالي التأثير
بدورها أعلنت تركيا أنها تستحوذ على 65% من سوق المسيّرات العسكرية عالمياً، مؤكدة أن الأنظمة غير المأهولة باتت محوراً أساسياً في عملياتها العسكرية، وأن المسيّرات الانتحارية أصبحت من أبرز أدوات الحروب الحديثة.
ويعكس تزايد الاعتماد على المسيّرات إدراكاً عالمياً لقدرتها على إحداث تأثير ميداني كبير بتكلفة منخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية، فقد أثبتت فعاليتها في أوكرانيا والشرق الأوسط وآسيا، حيث غيّرت موازين القوى ودفعت الدول إلى الاستثمار بكثافة في تطويرها.
ويمثل سباق الإنتاج تحدياً أمنياً واستراتيجياً واسعاً، فوجود خطوط تصنيع قرب بؤر التوتر، كما في اليابان والفلبين، يمنح الدول الغربية قدرة أعلى على الاستجابة السريعة، ويقلل اعتمادها على سلاسل التوريد البعيدة.
وفي الشرق الأوسط، برزت المسيّرات كأحد أهم الأدوات التي تستخدمها إيران في الحرب الحالية، بعد استخدامها في ضرب أهداف تمتد من إسرائيل إلى الخليج وقبرص.
تحديات قانونية وتقنية
ويثير الانتشار الواسع للمسيّرات تساؤلات حول الرقابة على الأسلحة، وخصوصاً مع دمج الذكاء الاصطناعي الذي يضاعف فاعليتها، إذ لم تعد المسيّرات مجرد أدوات تكتيكية، بل أصبحت جزءاً من التنافس الاستراتيجي العالمي، مع تأثير مباشر على الأمن الإقليمي والدولي.
وتوسع الشراكات الدفاعية ودخول دول جديدة إلى مجال التصنيع يشيران إلى سباق تسلح جديد تتصدره التكنولوجيا، فالقوة العسكرية لم تعد تقاس بحجم الجيوش فقط، بل بقدرة الدول على إنتاج أنظمة ذكية وسريعة التطور، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة التي باتت ترسم ملامح الصراع في عالم متوتر ومتغير.