عواصم-سانا
وسط تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، واستمرار المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عاد شبح كارثة تشيرنوبل النووية إلى الواجهة في النقاشات الدولية، مع تنامي المخاوف من أن يؤدي أي استهداف أو خلل في تشغيل المنشآت النووية إلى كارثة مشابهة.
وفي هذا السياق، برزت محطة بوشهر النووية في جنوب إيران كأحد أكثر المواقع حساسية في الصراع، بعدما أعلنت روسيا إجلاء جزء من خبرائها العاملين في المحطة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بشأن المخاطر التي قد تهدد المنشأة النووية، وما إذا كان تقليص الطواقم الفنية قد يفتح الباب أمام مخاطر تشغيلية أو حتى حادث نووي محتمل.
شركة الطاقة النووية الحكومية الروسية “روساتوم” أعلنت أمس الأربعاء، إجلاء نحو 150 من العاملين في محطة بوشهر، مع احتمال تنفيذ مراحل إضافية من الإجلاء، تبعاً لتطورات الوضع الأمني.
وبحسب تصريحات المدير العام للشركة أليكسي ليخاتشيوف، فإن عمليات الإجلاء تمت على مرحلتين منذ اندلاع التصعيد العسكري نهاية شباط الماضي، حيث شملت المرحلة الأولى أفراداً غير أساسيين وعائلاتهم، بينما غادر في المرحلة الثانية موظفون إضافيون عبر الحدود البرية نحو أرمينيا بسبب إغلاق المجال الجوي الإيراني.
بوشهر.. تكنولوجيا وتشغيل روسيان
تقع محطة بوشهر على ساحل الخليج العربي جنوب إيران، ويعود تاريخ المشروع إلى سبعينيات القرن الماضي عندما تعاقدت إيران في عهد الشاه مع شركة ألمانية لبناء مفاعلين نوويين، لكن المشروع توقف عام 1979 مع وصول الخميني إلى السلطة.
وفي عام 1995 وقّعت طهران اتفاقاً مع روسيا لاستكمال المشروع باستخدام تكنولوجيا روسية، قبل أن يبدأ تشغيل المفاعل وربطه بالشبكة الكهربائية الإيرانية عام 2011.
ولا يقتصر الدور الروسي على تشغيل المحطة فحسب، بل يشمل أيضاً تزويدها بالوقود النووي والإشراف الفني على تشغيلها، إضافة إلى بناء وحدتين إضافيتين في الموقع لزيادة القدرة الإنتاجية للطاقة النووية في إيران.
لماذا أثار الإجلاء القلق؟
وأكد مسؤولون في “روساتوم” أن انفجارات سمعت على بعد كيلومترات قليلة من خط الحماية الفيزيائية للمحطة، ما يعكس اقتراب العمليات العسكرية من موقع حساس للغاية.
ورغم عدم تعرض المفاعل لأي ضربة مباشرة حتى الآن، فإن مجرد اقتراب العمليات العسكرية من منشأة نووية يثير مخاوف من سيناريوهات خطرة، وخصوصاً إذا تضررت أنظمة التشغيل أو تعطلت عمليات الإشراف الفني، نتيجة تقليص عدد الخبراء.
ويرى مراقبون أن أي خلل في إدارة المفاعل أو أي توقف مفاجئ للعمليات الفنية بطريقة غير مدروسة قد يؤدي إلى مخاطر تشغيلية، لأن المفاعلات النووية تعتمد على منظومات تبريد معقدة يجب أن تعمل بشكل دائم لمنع ارتفاع حرارة الوقود النووي.
شبح تشيرنوبل يعود إلى الواجهة
المخاوف الأكبر ترتبط بإمكانية استهداف المنشأة أو تعرضها لأضرار غير مباشرة، نتيجة الضربات العسكرية، فالمفاعلات النووية تحتوي على مواد مشعة عالية الخطورة، وأي ضرر يصيب أنظمة التبريد قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة قلب المفاعل وحدوث انصهار نووي.
مثل هذا السيناريو قد يعيد إلى الأذهان كارثة تشيرنوبل عام 1986، عندما أدى انفجار أحد المفاعلات النووية في أوكرانيا السوفييتية إلى تسرب إشعاعي واسع النطاق اعتُبر أسوأ كارثة نووية في التاريخ، وامتدت آثاره إلى دول أوروبية عدة.
وفي حالة بوشهر، فإن المخاطر قد تكون إقليمية أيضاً، نظراً لوقوع المحطة على ساحل الخليج العربي، ما يعني أن أي تسرب إشعاعي محتمل قد يؤثر في البيئة البحرية ومصادر المياه في دول المنطقة، إضافة إلى المخاطر الصحية على ملايين السكان.
تداعيات محتملة على البرنامج النووي
إجلاء الخبراء الروس قد ينعكس أيضاً على مشاريع التوسع النووي في بوشهر، إذ تشرف “روساتوم” على بناء وحدتين إضافيتين في الموقع، وبالتالي فأي تقليص في عدد الخبراء أو تعليق جزئي للأعمال قد يؤدي إلى تأخير هذه المشاريع، في وقت تسعى فيه إيران إلى زيادة اعتمادها على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء.
وفي ظل استمرار التوتر العسكري، يزداد القلق من أن تتحول المنشآت النووية إلى عامل إضافي في الصراع، سواء من خلال استهدافها المباشر أو من خلال المخاطر التقنية الناتجة عن العمل في ظروف أمنية غير مستقرة.
منشأة نووية وسط حرب مفتوحة
خطوة الإجلاء الروسية تعكس، في نظر كثير من المراقبين، تقديراً بأن البيئة الأمنية حول محطة بوشهر باتت أكثر خطورة من السابق، حتى لو لم تكن المنشأة هدفاً مباشراً للضربات.
ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، يبقى السؤال المطروح: هل ستبقى المنشآت النووية بعيدة عن خطوط النار، أم أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى كارثة بيئية وإنسانية تتجاوز حدود الصراع العسكري نفسه.