دمشق -سانا
أدت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى واحدة من أعنف الهزات التي شهدها قطاعا النقل الجوي والبري منذ جائحة كورونا، بعدما تحولت الممرات الجوية والبرية، التي تمثل شرايين حيوية للتجارة والسفر، إلى مناطق عالية المخاطر.
ومع استمرار تبادل الضربات، تتكشف خسائر اقتصادية ولوجستية متسارعة طالت شركات الطيران والمطارات وشبكات النقل، في مشهد يصفه مراقبون بأنه اختبار غير مسبوق لقدرة المنطقة على الحفاظ على موقعها كمركز عالمي للتجارة والعبور.
تحذيرات دولية ومخاوف على سلامة الطيران المدني
وفي خضم التصعيد، دعت منظمة النقل الجوي الدولية (إياتا) إلى تحييد الطيران المدني عن دائرة الصراع، مؤكدة ضرورة احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين والمرافق الجوية.
وأعرب مديرها العام ويلي والش عن أمله في وقف التصعيد فوراً، مشدداً على أن استهداف المطارات أو الطائرات المدنية يمثل تهديداً مباشراً لمنظومة الطيران العالمية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة كون المنظمة تمثل نحو 85 بالمئة من حركة النقل الجوي التجاري عالمياً، ما يعكس حجم القلق داخل الصناعة من اتساع المخاطر.
إغلاقات واسعة للمجالات الجوية وشلل في الرحلات
وترافقت الضربات المتبادلة مع إغلاق أو تقييد المجالات الجوية في عدد من دول الخليج والعراق وإيران وإسرائيل، ما أدى إلى موجة غير مسبوقة من إلغاء الرحلات حيث أظهرت بيانات تتبع الحركة الجوية مساحات واسعة شبه خالية، مع فرض قيود صارمة على مطارات محورية.
وبحسب بيانات منصة فلايت رادار، أُلغي أكثر من 5400 رحلة خلال يومي الأحد والإثنين في سبع مطارات رئيسية في دول الخليج، ما تسبب بتقطع السبل بمئات الآلاف من المسافرين وإرباك جداول الرحلات العابرة للقارات.
خسائر مالية مباشرة وضغوط تشغيلية متفاقمة
وتكبدت شركات الطيران خسائر مباشرة بمئات الملايين خلال أيام قليلة نتيجة إلغاء الرحلات وتحويل مساراتها لتجنب مناطق الخطر، ما أدى إلى ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة تكاليف تشغيل الطواقم وتعقيد عمليات إعادة الجدولة وتعويض المسافرين.
وقال ديدييه بريشيمييه، الخبير لدى شركة الاستشارات رولاند بيرجيه: “إنه منذ جائحة كوفيد 19 لم نشهد أزمات بهذا الحجم”، مشيراً إلى أن الصراع تسبب بخسائر بمئات الملايين من اليورو في قطاع النقل الجوي.
ويرى محللون أن الناقلات الخليجية، التي تستحوذ على نحو 45 بالمئة من حركة الربط بين أوروبا وآسيا، هي الأكثر تأثراً لاعتماد نموذج أعمالها على مراكز عبور إقليمية باتت في قلب التوترات.
اضطراب النقل البحري والبري وارتفاع تكاليف التأمين
وامتدت التداعيات إلى النقل البحري والبري المرتبطين بسلاسل الإمداد والطاقة، فقد أدى تصاعد المخاطر في مضيق هرمز إلى تكدس عشرات السفن وارتفاع كبير في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، مع إعلان شركات تأمين بحرية تعليق أو تقليص تغطياتها في بعض المياه الإقليمية.
ويؤكد محللون أن هذا الارتفاع في تكاليف الشحن سينعكس على أسعار الطاقة العالمية، ما يزيد الضغوط على شبكات النقل البري المعتمدة على الوقود.
أضرار بالبنية التحتية للنقل الجوي والبحري
وتعرضت مطارات وموانئ ومنشآت لوجستية لأضرار متفاوتة، بعضها نتيجة هجمات مباشرة وأخرى بسبب شظايا اعتراضات دفاعية.
ويرى مراقبون أن مجرد وقوع أضرار محدودة في مطارات محورية كفيل بإرباك شبكة رحلات عالمية مترابطة، نظراً لدور هذه المطارات كنقاط ترانزيت رئيسية بين القارات.
كما أدى الإغلاق الاحترازي لبعض الموانئ ومنشآت النفط والغاز إلى إبطاء حركة الشحن البري وتوزيع السلع.
انعكاسات اقتصادية أوسع وفقدان الثقة المؤقت
وتراجعت أسهم شركات الطيران والسياحة بشكل حاد، فيما سجل النفط أسعاراً مرتفعة.
ووفقاً لمحللين ماليين فإن المستثمرين يميلون في أوقات الأزمات إلى تقليص انكشافهم على القطاعات الأكثر حساسية للصراعات، وفي مقدمتها الطيران والسياحة.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يوفر إيرادات إضافية للدول المنتجة، فإنه يرفع تكاليف التشغيل على شركات النقل ويضغط على هوامش أرباحها، وعلى المستوى الإنساني، وجد آلاف المسافرين أنفسهم عالقين في مطارات بعيدة عن وجهاتهم، في مشهد يعكس هشاشة منظومة النقل أمام الصدمات الجيوسياسية.
وفي ظل استمرار الدعوات الدولية لخفض التصعيد وحماية المرافق المدنية، يتركز الاهتمام في قطاع النقل الجوي على مدى سرعة احتواء الأزمات، إذ يحدد ذلك إذا ما كانت الخسائر ستبقى مؤقتة وقابلة للتعويض، أم ستترك أثراً طويل الأمد على صناعة بدأت بالكاد تستعيد عافيتها بعد أزمات سابقة.