القدس المحتلة-سانا
من الدبابة التي تقتحم، إلى الجرافة التي تغيّر الجغرافيا، وصولاً إلى قرار يُوقَّع في مكتب، هكذا تمضي إسرائيل في مسارٍ متدرّج نحو ابتلاع الأرض الفلسطينية وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى “واقع قانوني دائم”.
ما كان توسعاً استيطانياً متدرجاً، بات اليوم هجوماً مباشراً على الملكية الفلسطينية، إذ شرعت إسرائيل لأول مرة منذ عام 1967 في تسجيل أراضٍ في الضفة الغربية تحت مسمى “أملاك دولة”، في خطوة تهدف إلى إحلال المستوطنين مكان أصحاب الأرض الأصليين.
القرار الذي وصفه الوزير في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش بأنه “ثورة استيطانية”، يتيح تثبيت ملكية الأراضي الفلسطينية رسمياً كـ”أملاك دولة” وتخصيصها للمستوطنين، في محاولة لتكريس السيطرة الإسرائيلية وتقويض حقوق الفلسطينيين ونسف إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما تنص قرارات الأمم المتحدة.
تفاصيل القرار
يفوّض القرار السلطة العقارية التابعة لوزارة “العدل” الإسرائيلية بالعمل داخل الضفة الغربية، ما يعني عملياً نقل إدارة الأرض من الإطار العسكري إلى إطار “مدني مقونن”، يرسّخ السيطرة الإسرائيلية ويطيح بالمنظومات القانونية التي اعتمد عليها الفلسطينيون لإثبات ملكيتهم لعقود.
لماذا الآن؟
يأتي القرار ضمن سلسلة إجراءات أقرّها “المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر” في الثامن من شباط الجاري، بهدف “إزالة العوائق القانونية” أمام التوسع الاستيطاني، والسماح للمستوطنين بالشراء المباشر، وتسريع إقامة المستوطنات “دون الخشية من الطعون القضائية”.
إسناد الملف لوزارة “العدل” بدلاً من الإدارة العسكرية يعني التعامل مع الضفة كجزء من إسرائيل، لا كأرض محتلة، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الهدم وفرض الوقائع على الأرض، وصولاً إلى التدخل في عمق المناطق الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية.
كما ستؤدي الإجراءات إلى سحب صلاحيات الترخيص من بلدية الخليل في محيط الحرم الإبراهيمي، في انتهاك لاتفاق 1997، وإعادة رسم المدينة بما يخدم التهويد والاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين، وخصوصاً أملاك النازحين.
الأرقام في سياق القرار
أكثر من 60% من الضفة الغربية ستخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة،
نحو 750 ألف مستوطن يعيشون في الضفة، بينهم أكثر من 230 ألفاً في القدس الشرقية، سيزدادون أضعافاً بموجب القرار خلال السنوات القادمة.
تسجيل الأراضي يفتح الباب لتحويل عشرات آلاف الدونمات إلى ما تسميه إسرائيل “أملاك دولة” خلال سنوات قليلة.
القانون الدولي: بطلان واضح
يؤكد قرار مجلس الأمن 2334 عدم شرعية المستوطنات وبطلان أي تغيير قانوني أو ديموغرافي في الأرض المحتلة، كما شددت محكمة العدل الدولية على عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، ورفض جميع إجراءات إسرائيل الهادفة لتغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية، وضرورة انسحابها منها لكن غياب آليات الردع حوّل هذه القرارات إلى نصوص بلا أثر فعلي.
إدانات واسعة بلا كبح فعلي
رفض الفلسطينيون القرار رسمياً وشعبياً، مؤكدين أنه سرقة علنية لأرضهم، كما صدرت إدانات عربية ودولية وتحذيرات أممية من تسريع التهجير وتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، لكن دون أي إجراءات عملية توقف التنفيذ على الأرض.
والنتيجة: تقطيع أوصال المدن والقرى، وعزل الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وتآكل شبه كامل لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة، وتغيير ديموغرافي لصالح المستوطنين، في تحدٍّ لقرارات الشرعية الدولية.
الضم بقوة الأمر الواقع
لم يعد الضم مجرد خطوة عسكرية أو توسع استيطاني، فخطورة تسجيل الأراضي تكمن في تحويل الاحتلال من وضع مؤقت إلى واقع دائم، الدبابة تحتل الأرض، لكن الاستملاك يثبت الاحتلال قانونياً، لتتحول الضفة تدريجياً من أرض فلسطينية محتلة إلى أرض تُسجَّل كـأملاك إسرائيلية.
وهكذا يتلاشى “حل الدولتين” المتوافق عليه دولياً ليجد الفلسطيني نفسه أمام نكبة جديدة مماثلة لما حدث معه عام 1948.