دمشق-سانا
دخلت اتفاقية أعالي البحار الرامية إلى حماية التنوع الحيوي في المناطق البحرية الواقعة خارج الحدود الوطنية اليوم السبت حيز التنفيذ رسمياً، بعد أن صادقت عليها أكثر من 80 دولة، من بينها الصين وألمانيا وفرنسا واليابان والبرازيل، فيما لم تُصدّق عليها حتى الآن قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا والهند.
يمثّل دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ إنجازاً تاريخياً في مسيرة حماية المحيطات، إذ توفّر لأول مرة إطاراً قانونياً ملزماً يُنظم الأنشطة في أعالي البحار، ويواجه تحديات خطيرة مثل الصيد الجائر والتلوث البحري، ويدعم الهدف العالمي الطموح المتمثل في حماية 30 % من البيئة البحرية بحلول عام 2030.
نهاية عصر “الفراغ القانوني”
بعد نحو عقدين من المفاوضات، وصفت الأمم المتحدة دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بأنه “خطوة كبيرة إلى الأمام” لضمان صحة النظم البيئية البحرية لعقود قادمة، إذ تغطي الاتفاقية ما يُعرف بـ “أعالي البحار” ومنطقة “قاع البحر الدولية”، وهي تمثل أكثر من ثلثي سطح المحيطات.
وقال آدم مكارثي، السكرتير المساعد الأول في وزارة الخارجية الأسترالية والرئيس المشارك للجنة التحضيرية للاتفاقية، خلال مؤتمر صحفي اليوم السبت: “للمرة الأولى، سيحظى ثلثا المحيطات بنظام قانوني شامل يحميها من الاستغلال العشوائي.”
أهمية استراتيجية وبيئية
وتشكل أعالي البحار وهي المياه الدولية الواقعة خارج نطاق السيادة الوطنية أحد أكبر خزانات التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، وتلعب دوراً حيوياً في تنظيم المناخ ودورات الكربون والمياه، حيث يقدّر الخبراء أن القيمة الاقتصادية للكربون المخزّن في هذه المناطق تتراوح بين 74 مليار و222 مليار دولار سنوياً.
إلا أن هذه النظم البيئية الهشة تواجه تهديدات متزايدة، من أبرزها الصيد غير القانوني وممارسات جرّ الشباك القاعية المدمرة، والتلوث البلاستيكي والكيميائي، وأنشطة تعدين قاع البحر الناشئة، وحموضة المياه الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة.
ويؤكد “تحالف أعالي البحار”، الذي كان من أبرز الداعمين للاتفاقية، أن هذه التهديدات تهدد مستقبل النظام البيئي البحري بأكمله.
التزامات قانونية جديدة
بموجب الاتفاقية، التي تستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982)، أصبح على الدول الآن التزامات قانونية واضحة، منها: إجراء تقييمات أثر بيئي إلزامية لأي نشاط تحت سيطرتها قد يؤثر في أعالي البحار أو قاع البحر، والإعلان العلني عن هذه الأنشطة، وإنشاء شبكة عالمية من المناطق البحرية المحمية في المياه الدولية، واعتماد قرارات إنشاء هذه المناطق عبر تصويت أغلبية في حال تعذّر التوافق، ما يمنع دولة واحدة من عرقلة الحماية البيئية.
كما تدعم الاتفاقية الدول النامية من خلال نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، لتمكينها من المشاركة الفعالة في إدارة ورصد المناطق المحمية.
منافع مشتركة واقتصاد مستدام
تتيح الاتفاقية أيضاً وضع إطار عادل لتقاسم المنافع الناتجة عن الموارد الوراثية البحرية المستخدمة في صناعات مثل التكنولوجيا الحيوية والصيدلة، مع ضمان عدم الإضرار بالنظم البيئية، ويُعدّ هذا أول نظام دولي ينظم “الاقتصاد الأزرق” في أعالي البحار على أساس العدالة والاستدامة.
وأشارت المفوضية الأوروبية إلى أن الاتفاقية، التي تغطي نحو 95 % من حجم المحيطات ونصف سطح الأرض، تمثّل “قفزة نوعية” في حوكمة المحيطات، وتوفر أدوات فعالة لتنظيم استغلال الموارد الجينية البحرية وحماية البيئة في آنٍ واحد.
ومن المقرر عقد أول مؤتمر للأطراف في الاتفاقية خلال عام من دخولها حيز التنفيذ، لوضع آليات التطبيق والمتابعة، وتحديد الخطوات العملية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
والاتفاقية التي تستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمثل أول معاهدة عالمية ملزمة تهدف صراحةً إلى حماية التنوع الحيوي في المياه الدولية، وينهي دخولها حيز التنفيذ عصر “القانون الغربي” في أعالي البحار، ويؤسس لنظام عالمي جديد قائم على الاستدامة، والعدالة البيئية، والمشاركة المشتركة ليس فقط في الحفاظ على المحيطات، بل أيضاً في تقاسم فوائد مواردها بين جميع الدول، ولا سيما النامية منها.