دمشق-سانا
تجد أوروبا نفسها اليوم أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق، بعد أن كشفت “استراتيجية الأمن القومي” الأميركية التي أُعلنت الشهر الجاري، ملامح تحوّل جذري في نظرة واشنطن إلى حليفها الأوروبي.
الوثيقة الأمريكية، التي جاءت بلغة “حادة” غير معهودة، لا تكتفي بإعادة رسم أولويات الولايات المتحدة، بل تضع القارة العجوز أمام حقيقة صادمة، مفادها بأن المظلة الأميركية لم تعد مضمونة، والاعتماد الأمني الطويل الأمد بات عبئاً في حسابات واشنطن، على الأقل في ظل وجود الرئيس دونالد ترامب.
زمن الاعتماد على أمريكا قد انتهى
تعكس الاستراتيجية الأميركية الجديدة قناعة إدارة الرئيس ترامب بأن الحلف الأطلسي لم يعد استثماراً مربحاً لواشنطن، وأن حماية أوروبا باتت مكلفة سياسياً واقتصادياً، حيث تدعو الوثيقة صراحةً إلى تمكين أوروبا من الاعتماد على نفسها، وتحميلها المسؤولية الأساسية عن دفاعها، في إشارة واضحة إلى تراجع الالتزام الأميركي التقليدي بأمن القارة.
هذا التحول يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تخوض أوروبا مواجهة غير مباشرة مع روسيا عبر الحرب الأوكرانية، وتخشى من تمدد التهديدات الروسية إلى عمقها الجغرافي، في وقت تتآكل فيه الثقة الأوروبية بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.
نقد أميركي لاذع للواقع الأوروبي
لم تكتفِ الوثيقة بتشخيص الخلل العسكري، بل شنّت هجوماً سياسياً واقتصادياً وثقافياً على أوروبا، معتبرة أن القارة تعاني تراجعاً اقتصادياً حاداً، وتآكلاً في الهوية الحضارية، وضعفاً في السيادة الوطنية بفعل سياسات الاتحاد الأوروبي، والهجرة، وتقييد حرية التعبير.
وتذهب الرؤية الأميركية إلى حدّ التشكيك بمستقبل أوروبا كقوة فاعلة، معتبرة أن خلاصها قد يكون في صعود الأحزاب القومية، في تدخل غير مسبوق بالشأن السياسي الداخلي الأوروبي.
ولم يتردد الرئيس ترامب في اتهام القادة الأوروبيين بأنهم “ضعفاء”، ودولهم “في حالة تدهور”، بل واعتبر أن الكثير من هذه الدول “لن يكون قابلاً للاستمرار”، في حال لم يغيروا سياستهم إزاء الهجرات.
أوروبا تتمسك بالسيادة
قوبلت المواقف الأميركية هذه برفض أوروبي واضح، إذ شدد قادة الاتحاد الأوروبي على أن الولايات المتحدة حليف مهم، لكنها لا تملك حق التدخل في الخيارات الديمقراطية لدول القارة، وأن المرحلة المقبلة تفرض تعزيز مفهوم السيادة والاستقلال الاستراتيجي.
أنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي سارع إلى الرد على ترامب، مؤكداً أن “ما لا يمكن قبوله هو هذا التهديد بالتدخل في الحياة السياسية لأوروبا”، وقال: “لا يمكن للولايات المتحدة أن تحلّ محل المواطنين الأوروبيين في تحديد الأحزاب الجيدة والأحزاب السيئة”، وأن “الحلفاء لا يهددون بالتدخل في الحياة الديمقراطية أو في الخيارات السياسية الداخلية لحلفائهم، بل يحترمونها”.
ورأت فرنسا، التي طالما دعت إلى بناء دفاع أوروبي مستقل، في التحول الأميركي تأكيدًا لصحة رؤيتها، فيما بدأت ألمانيا، للمرة الأولى تتحدث علناً عن ضرورة تقليص الاعتماد الأمني على واشنطن.
أما لندن فأعلنت إطلاق خطة شاملة لتعزيز جاهزية القوات المسلحة والقدرات الدفاعية الوطنية لتكون أكثر قدرة على الرد على التهديدات دون الاعتماد على شركاء خارجيين.
الدفاع الأوروبي: عقبات تقلص الطموح
دفعت المخاوف من تراجع الالتزام الأميركي الدول الأوروبية إلى رفع إنفاقها الدفاعي بشكل غير مسبوق، وتسريع برامج التسلح، والبحث في إعادة فرض الخدمة العسكرية، إضافة إلى إطلاق مشاريع صناعية دفاعية مشتركة تشمل أنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات والذكاء الاصطناعي.
كما عاد النقاش حول توسيع المظلة النووية الفرنسية – البريطانية ليشمل باقي أوروبا، وإن بقي هذا الخيار محفوفاً بعقبات سياسية واستراتيجية كبيرة، أبرزها الانقسامات الداخلية الأوروبية.
علاقة عبر الأطلسي مغلفة بالشكوك
لا يقتصر التوتر بين ضفتي الأطلسي على البعد الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والتجارة، مع فرض واشنطن رسوماً جمركية على الصادرات الأوروبية، في خطوة اعتبرتها عواصم أوروبية إهانة لحليف تاريخي.
وفي المحصلة، تكشف الاستراتيجية الأميركية الجديدة عن واقع قاسٍ، أوروبا مطالبة اليوم بدفع ثمن عقود من التبعية الأمنية، في وقت تنشغل فيه واشنطن بإعادة ترتيب تحالفاتها، واضعة الصين وروسيا في صدارة أولوياتها.