عواصم-سانا
سجلت عائدات سندات الخزانة الأمريكية، خلال الأيام الماضية ارتفاعاً كبيراً لتصعد يوم أمس الثلاثاء بما يقرب من 4 نقاط أساس إلى 4.09 بالمئة، وذلك مع استمرار تقييم المستثمرين للحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وتحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن الصراع قد يستمر لفترة أطول من الأسابيع الأربعة التي توقعها مبدئياً.
وتشهد الأسواق منذ بدء الحرب تحولاً حاسماً إلى العزوف عن المخاطر ما يضغط على الأسهم العالمية، حيث انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية والآسيوية، بينما ارتفعت العقود الآجلة للذهب مدفوعة بالطلب على أصول الملاذ الآمن، كما تصاعدت مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل، ما دفع أسعار النفط للارتفاع.
كل هذه التقلبات الغريبة في الأسعار ما بين ارتفاع من جهة، وانخفاضات من جهة أخرى تظهر أن المستثمرين يجدون صعوبة في تحديد ما إذا كان الصراع في الشرق الأوسط يمثل خطراً هامشياً يرتبط بالصراع على السلطة في إيران أم أنه حرب طويلة الأمد ستكون لها تداعيات على التجارة العالمية والتضخم.
أسواق السندات تنتعش
أسواق السندات أخذت منحى الارتفاع منذ اليوم الأول للحرب، حسب ما ذكرت رويترز، حيث ارتفعت العائدات مع تقليص المستثمرين لتوقعاتهم بخفض أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية الكبرى، مع أخذ الآثار التضخمية لارتفاع أسعار النفط في الاعتبار.
وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية مع تسجيل عوائد السندات لأجل عامين أكبر مكاسب يومية لها في أربعة أشهر مع تراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي في حزيران المقبل، كما اتجهت عائدات السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهي مؤشر مرجعي لمنطقة اليورو، لتحقيق أكبر قفزة لها منذ كانون الأول الماضي.
ما هي سندات الخزينة الأميركية
سندات الخزينة الأمريكية (T-bonds) هي أوراق مالية حكومية طويلة الأجل (من 20 إلى 30 سنة) تعتبر ملاذاً آمناً شبه خالٍ من المخاطر، وتُصدرها وزارة الخزانة الأمريكية لتمويل العجز المالي، وتعد ركيزة أساسية للاستثمار العالمي.
وظهرت سندات الخزينة الأمريكية لأول مرة عندما قررت الولايات المتحدة دخول الحرب العالمية الأولى، ووجدت نفسها في حاجة للمال لتمويل الحرب، وهنا برزت فكرة طرح سندات مستحقة الأداء بعد عدد معين من السنوات وبنسبة فائدة محددة لجمع المال من العموم ومن المؤسسات.
واستمرت الحكومة الأمريكية في الحصول على تمويل الإنفاق وسد عجز الميزانية من خلال بيع سندات الخزينة إلى يومنا هذا، حيث يدور النقاش الآن حول سلامة هذه السندات وأمانها على المدى الطويل.
وتملك البنوك الأجنبية وصناديق الاستثمار والبنوك حالياً قيماً كبيرة جداً من سندات الخزينة الأميركية، وتعد الصين أهم مالك أجنبي لهذه السندات وبالتالي أكبر ممول للإنفاق العام في أميركا، إضافة إلى اليابان والمملكة المتحدة.
وتستخدم سندات الخزينة الأمريكية في احتساب أسعار الفائدة للتمويل طويل الاجل وتلعب دوراً جوهرياً في هيكلة الاقتصاد العالمي، فهي أكثر من مجرد أدوات دين، إذ تشكل دعامة لاحتياطيات النقد الأجنبي، كما أنها ملاذ آمن للأزمات ومقياس تسعير عالمي، حيث تحدد أسعار الفائدة عليها منحنى العائد الذي يستخدم لتسعير قروض الشركات والرهون العقارية، والديون السيادية حول العالم، وبالتالي فأي تشكيك في موثوقية سندات الخزانة لا يهدد أمريكا فقط، بل يضرب الأسس التي يرتكز عليها النظام المالي العالمي بأكمله.
تحذيرات حول استقرار السياسات المالية الأمريكية
وفي ظل الارتفاع في عوائد السندات، أكدت جانيت يلين الرئيسة السابقة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ووزيرة الخزانة الأمريكية السابقة، في تصريحات نقلتها شبكة (سي أن أن) أن زيادة علاوة المخاطر لسندات الخزانة الأميركية، تحمل تحذيرات اقتصادية عميقة حول استقرار الملاءة المالية للولايات المتحدة في ظل السياسات الراهنة.
وبحسب يلين، من شأن زيادة علاوة المخاطر أن تعني بشكل مباشر أنّ المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى الديون السيادية الأميركية كأصول خالية من المخاطر تماماً كما كان المعتاد، بل أصبحوا يطالبون بعائد إضافي لتعويضهم عن حالة عدم اليقين التي تفرضها قرارات الإدارة الحالية.
فيما يراقب الخبراء في وول ستريت أثر هذا الارتفاع في علاوة المخاطر على مؤشرات الأسهم الرئيسية مثل داو جونز وناسداك، نظراً لأن ارتفاع عوائد السندات يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل للشركات الكبرى ما يقلص من هوامش أرباحها الفصلية، وزيادة الضغط على قطاع العقارات والقروض الشخصية نتيجة ارتباطها المباشر بعوائد السندات طويلة الأجل، إضافة إلى تحول السيولة من سوق الأسهم ذات المخاطر العالية إلى سوق السندات إذا أصبحت العوائد مغرية بما يكفي لتعويض مخاطر السياسة.
وتعتبر تصريحات جانيت يلين بمثابة جرس إنذار لصناع القرار، حيث إن فقدان الثقة في سندات الخزانة الأميركية قد يؤدي إلى اهتزاز عرش الدولار كعملة احتياط عالمية، ويزيد من الأعباء المالية على الميزانية الأميركية، نتيجة ارتفاع فاتورة فوائد الدين العام.