دمشق-سانا
خلال السنوات الأخيرة، برزت أسواق السندات كأحد أدوات التمويل الحكومي والمؤسسي حول العالم، لتصبح من أكثر أسواق المال سيولةً وتأثيراً.
ومع سعي العديد من الدول إلى إعادة تنظيم قطاعاتها المالية بعد أزمات ممتدة، تزايد الاعتماد على أدوات الدين المحلية لتعزيز الاستقرار المالي، وتوسيع قاعدة التمويل، وتقليص الاعتماد على الاقتصاد النقدي.
ما هي سوق السندات؟
سوق السندات هي المجال الذي تصدر فيه الحكومات والشركات أدوات دين بهدف جمع التمويل، مقابل التزام بسداد القيمة الاسمية مع فوائد محددة خلال آجال زمنية معلومة، وتكتسب السندات أهمية استراتيجية طويلة الأمد، إذ تُستخدم لتمويل المشاريع الكبرى، تغطية العجز المالي، وإعادة هيكلة الديون.
وتُعد السندات مرآة لثقة السوق بالاقتصاد؛ فتكلفة الاقتراض ترتبط بمستوى الجدارة الائتمانية، بينما تعكس العوائد المطلوبة من المستثمرين حجم المخاطر المتوقعة، كما يُعد منحنى العائد مؤشراً مهماً لاستشراف التوقعات الاقتصادية المستقبلية، ما يجعل سوق السندات أداة رئيسية لربط التمويل بالسياسات المالية والنمو الاقتصادي.
وعلى خلاف الأسهم التي تمثل حصص ملكية، فإن السندات تمثل ديناً بعائد محدد، وغالباً ما تكون أسواقها أوسع حجماً وأكثر دلالة على صحة النظام المالي ككل.
تعزيز السيولة داخل النظام المالي
وتشكل إعادة بناء القطاع المالي عملية إصلاح مؤسسي وهيكلي تهدف إلى استعادة الثقة وتعزيز كفاءة النظام المالي، وفي هذا السياق، تلعب السندات دوراً محورياً عبر تمويل مشاريع التنمية والبنى التحتية، وتنويع الأدوات المالية بما يتيح تسعير أصول أخرى مثل القروض المصرفية، وتعزيز السيولة داخل النظام المالي، وترسيخ ثقة المستثمرين باعتبار وجود سوق سندات فعّالة مؤشراً على النضج المالي والاستقرار.
ومع ذلك، تبقى أسواق السندات عرضة للتقلبات العالمية المرتبطة بالعجز المالي وعدم اليقين في السياسات الاقتصادية، ما يجعل استقرارها جزءاً لا يتجزأ من الاستقرار المالي العام.
الخروج التدريجي من الاقتصاد النقدي
ويقوم الاقتصاد النقدي على التداول الواسع للأموال خارج النظام المصرفي، وهو ما يضعف فاعلية السياسات المالية، ويحد من قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي، إذ تتجه الدول إلى تقليص هذا النمط تدريجياً عبر إدخال أدوات مالية منظمة، وفي مقدمتها السندات، بما يسهم في تقليص اقتصاد الظل، وإدخال الأموال إلى القنوات المصرفية، وتمكين البنوك من الإقراض والاستثمار، ودعم أدوات مالية رسمية تعزز الثقة بالنظام المالي.
تجارب دولية ناجحة
قدمت دول عدة نماذج بارزة في توظيف أسواق السندات لإعادة بناء قطاعاتها المالية، وأظهرت هذه التجارب أن التنظيم المؤسسي وقوة الإطار المالي يشكلان مفتاح النجاح في جذب المستثمرين وتعزيز الثقة.
أستراليا: طورت سوق سندات قوية مدعومة بسيولة داخلية واستقرار اقتصادي.
الصين: اعتمدت على السندات الخضراء لتمويل مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
السعودية: وسّعت إصدارات السندات لتمويل مشاريع تنموية كبرى ضمن رؤى اقتصادية بعيدة المدى.
الكويت: أعادت تفعيل أدوات الدين المحلية لتنشيط القطاع المالي والتمهيد للعودة إلى أسواق الدين العالمية.
وتشير التجارب العالمية إلى أن تطوير سوق السندات المحلية يُعَدّ مدخلاً أساسياً لإعادة هيكلة القطاع المالي، حيث يسهم في تنويع مصادر التمويل الحكومي، وتعزيز كفاءة تسعير المخاطر، ودعم الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط، شرط أن يترافق مع إصلاحات هيكلية تُعزّز مصداقية السياسات المالية والشفافية المؤسسية.