القاهرة-سانا
مع التغييرات التي شهدتها سوريا مؤخراً، وما رافقها من تحسن في الواقع الأمني وعودة تدريجية للحياة الاقتصادية، بدأت تظهر مؤشرات أولية على إمكانية استئناف مسار البناء والاستثمار بعد سنوات من التراجع الحاد الذي أصاب مختلف القطاعات الإنتاجية جراء سياسات النظام البائد التي أدت إلى شلل الاقتصاد.
عدد متزايد من رجال الأعمال السوريين المقيمين في مصر يعيد تقييم خياراته الاستثمارية تمهيداً للعودة إلى سوريا، في ضوء التسهيلات التي تقدمها الحكومة، مدفوعين بقناعة متنامية بأن عودة رأس المال ليست خطوة اقتصادية فحسب، بل ركيزة أساسية في دعم التعافي المحلي وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعية منها.
وفي المقابل، كان للحضور السوري في السوق المصرية خلال السنوات الماضية أثر ملموس في قطاعات عدة حيث أسهم في تعزيز النشاط الاستثماري وخلق فرص عمل، مستفيداً من خبرات تراكمية وقدرة عالية على التكيف وبناء شبكات إنتاج وتوزيع، وهي خصائص جعلت رأس المال السوري أكثر قابلية للتحرك بين الأسواق المتشابهة، وفتحت الباب أمام نماذج تكامل اقتصادي محتملة بين مصر وسوريا في المرحلة المقبلة.
وتبرز في هذا السياق تجارب تجار وصناعيين سوريين مقيمين في مصر كنماذج عملية تعكس مسارات مختلفة لعودة رأس المال بين من باشر فعلياً إعادة تشغيل منشآته داخل سوريا، ومن لا يزال في مرحلة التقييم والتحضير، في ظل تحديات وفرص متباينة.
شركة “بوليدو”: خروج قسري ثم عودة مدروسة

وتشكل تجربة مالك شركة بوليدو للصناعات الغذائية محمد عبد الكريم مثالاً واضحاً على مسار رأس المال السوري بين الخروج القسري وإعادة التمركز حيث أوضح لـ سانا أن مؤسسته تأثرت جراء الحرب التي شنها النظام البائد على الشعب، وما رافقها من تضييقات أمنية أثّرت بشكل مباشر على سير العمل، ما دفعه إلى التوقف شبه الكامل عن الإنتاج، حيث لم تتجاوز نسبة العمال القادرين على الوصول إلى المصنع نحو 5 % بالمئة، لافتاً إلى أنه اضطر إثر ذلك إلى مغادرة البلاد وتجميد النشاط الصناعي داخل سوريا.
وقال عبد الكريم: إن اختيار مصر جاء لاعتبارات عدة، أبرزها كونها بيئة عربية قريبة من حيث طبيعة السوق، وأنماط الاستهلاك، ما سهّل إعادة إطلاق المشروع، حيث تأسست الشركة في مصر عام 2012 وتمكنت عاماً بعد آخر من التوسع والتطور لتصبح واحدة من الشركات الرائدة في مجال الصناعات الغذائية، مع توفير فرص عمل واسعة للعمالة المصرية والسورية، والوصول بصادراتها إلى أكثر من 40 دولة عربية وإفريقية وأوروبية.
ولفت صاحب شركة “بوليدو” إلى أن سقوط النظام البائد في سوريا شكّل نقطة تحول دفعته إلى العودة وإعادة تشغيل مصنعه في ريف دمشق بكامل طاقته، مستفيداً من تحسن الواقع الأمني وتطور المناخ الاستثماري، مؤكداً أن هذه المتغيرات أعادت لديه الإحساس بالأمل بإمكانية البناء من جديد بعد سنوات من التوقف القسري.
وأوضح أن توافر الكهرباء والوقود لتشغيل المصنع والآلات كان من أبرز التحديات التي واجهت عودة العمل سابقاً، إلا أن التحسن الكبير والملموس في هذا الملف أسهم بشكل مباشر في تشجيعه على الاستمرار والمضي قدماً في إعادة التشغيل، مشدداً على أن تعزيز عودة رؤوس الأموال السورية يتطلب مواصلة العمل على إقرار المزيد من القوانين والسياسات المشجعة للاستثمار، بما يخلق بيئة جاذبة ومستقرة للصناعيين.
وأشار عبد الكريم إلى تجربة مصر في دعم الصادرات حيث تحصل الشركات على دعم يصل إلى نحو 5 % من قيمة الفواتير التصديرية، معتبراً أن اعتماد نماذج مشابهة من شأنه تحفيز الإنتاج والتوسع في التصدير، ودعم الصناعة الوطنية، موضحاً أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق منتجات سورية جديدة مخصصة للسوق المحلية، إلى جانب استقطاب مزيد من الخبرات واليد العاملة المؤهلة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مسار التعافي وإعادة الإعمار.
تجربة شركتي المودة والهدى: رأس مال يعود بدافع الانتماء

أما تجربة مالك شركتي المودة والهدى للأدوية البيطرية وتربية الدواجن معاذ الشعار، فتمثل نموذجاً آخر لمسار رأس المال السوري بين القاهرة ودمشق إذ يوضح أن بداياته في مجال تربية الدواجن كانت في مصر عام 1997 قبل أن يعود إلى سوريا عام 2006 ليؤسس شركته ويباشر نشاطه في تربية الدواجن، ومع انطلاق الثورة السورية، شارك في أعمال الإغاثة والحراك السلمي، لكنه واجه مصاعب كبيرة بعد تعرض منشآته في ريف دمشق للمضايقات الأمنية وسرقة محتوياتها، وقصف المنطقة، ما اضطره للخروج من سوريا والعودة إلى مصر.
وبيّن الشعار أنه أعاد بناء مشروعه من الصفر في مصر مؤسساً شركتي المودة والهدى، ونجح في أن يتوسع تدريجياً في تصنيع الأدوية البيطرية وإنتاج الدواجن، محققاً انتشاراً واسعاً ونجاحاً ملحوظاً.
وأشار إلى أنه مع سقوط النظام في سوريا، قرر العودة إلى دمشق والتحضير لإعادة إنشاء شركته، مدفوعاً بالحنين إلى الوطن وبالرغبة في المساهمة في إعادة الإعمار، ولا سيما في ظل ما لمسه من تغيرات إيجابية على صعيد البيئة العامة والاستثمارية.
وأكد الشعار أن هناك تحسناً واضحاً في مستوى التعاون الحكومي في ملف الاستثمار، إلى جانب الجهود المبذولة لتطوير البنية التحتية بما يجعلها أكثر مواءمة للعمل والإنتاج، فضلاً عن التحسن الملحوظ في ملفات حيوية كالكهرباء والوقود، إضافة إلى وجود فرص حقيقية للمشاركة في تطوير وتحسين القوانين الناظمة للاستثمار.
وشدد على أن فتح وإعادة تشغيل المصانع في سوريا ليس مجرد خيار تجاري، بل واجب وطني يسهم في النهوض بالبلاد، وتحسين الوضع الاقتصادي، ودعم جهود إعادة الإعمار، مؤكداً أن الاستثمار المستدام ورأس المال السوري يمثلان رافعة أساسية لتحقيق هذه الأهداف، مبيناً أن فكرة التكامل الاقتصادي بين مصر وسوريا باتت واقعاً عملياً للعديد من الصناعيين السوريين، في نموذج إيجابي يعكس قدرة رأس المال الوطني على التنقل بين الأسواق المتشابهة والاستفادة من الخبرات المتراكمة في كلا البلدين، بما يخدم التنمية الاقتصادية المشتركة.
عودة رأس المال… رافعة للتعافي الاقتصادي
تعكس تجارب رجال الأعمال السوريين المقيمين في مصر قدرة رأس المال السوري على إعادة التموضع في بيئات اقتصادية قريبة، مستفيداً من تشابه الأسواق لاكتساب خبرات جديدة والحفاظ على استمرارية النشاط، ومع سقوط النظام البائد والتحسن الملحوظ في الواقع الأمني والبيئة العامة، برزت العودة كخيار واقعي لدى شريحة واسعة من الصناعيين والتجار السوريين، مدعومة بتحسن البنية التحتية وتنامي التعاون الحكومي في الملفات الاقتصادية والتشريعية.
وفي هذا الإطار، تمثل عودة المستثمرين السوريين وإعادة تشغيل المصانع خطوة أساسية في إعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل، ودعم جهود إعادة الإعمار، بما يعزز دور رأس المال الوطني كشريك فاعل في بناء مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على الإنتاج والاستقرار والتكامل.
