دمشق-سانا
تحوّلت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مجرد أداة حمائية إلى آلية أعادت رسم ملامح الاقتصاد العالمي على أسس جديدة: دول قادرة على النفاذ إلى السوق الأمريكية بأقل كلفة، وأخرى تُقصى تدريجياً منها.
في ظل هذه السياسات، لم تعد المنافسة التجارية تُحسم بالكفاءة أو الحجم فقط، بل بقدرة الدول على تجنّب الرسوم أو الالتفاف عليها عبر الجغرافيا والاتفاقيات والتحالفات.
وخلال سنوات قليلة، أظهرت البيانات أن التجارة العالمية لم تنكمش بقدر ما تغيّرت مساراتها؛ إذ أعيد توجيه سلاسل التوريد والاستثمارات نحو دول أقل عبئاً جمركياً وأكثر توافقاً مع القواعد الأمريكية الجديدة، فيما تكبّدت اقتصادات أخرى خسائر مباشرة في صادراتها ورؤوس أموالها، ضمن نظام تجاري بات انتقائياً بامتياز.
مؤشر يقيس الميزة لا الحجم
وفق مؤشر “الميزة الجمركية” الصادر عن Global Trade Alert، لا تُقيَّم الدول بناءً على حجم صادراتها، بل على الفارق بين الرسوم المفروضة على صادراتها مقارنة بمنافسيها داخل السوق الأمريكية، مع الأخذ في الاعتبار وزن التجارة وتركيبة السلع.
وبهذا المعنى، لا يحدد المؤشر من يبيع أكثر، بل من أصبح في موقع تنافسي أفضل نتيجة السياسات الجمركية.
دول رابحة
تُظهر بيانات Global Trade Alert أن المكسيك تصدرت قائمة المستفيدين بميزة جمركية بلغت 17.4 %، مستفيدة من القرب الجغرافي، واتفاقية USMCA، وتحول الشركات الأمريكية إلى إعادة توطين سلاسل التوريد قرب الحدود.
تلتها كندا بميزة 6.1 %، ثم المملكة المتحدة بنسبة 5.1 %، فيما حققت سنغافورة وإيطاليا مكاسب أقل بلغت 3.6 % و2.8 % على التوالي، لكن هذه المكاسب لم ترتبط بزيادة الطلب الأمريكي بالضرورة، بل بكون صادراتها أصبحت أقل كلفة نسبياً مقارنة بمنافسين خضعوا لتعريفات أعلى.
دول خاسرة
في المقابل، تكشف البيانات عن خاسرين بارزين، في مقدمتهم الصين والهند بعجز جمركي نسبي بلغ ناقص 19.4 % لكل منهما، ما يعكس شدة استهداف صادراتهما بالرسوم الأمريكية، تلتهما البرازيل بعجز ناقص 6.9 %، ثم سويسرا وكوريا الجنوبية بخسائر أقل لكنها بقيت في المنطقة السالبة.
هذا التفاوت لم يقتصر على التجارة المباشرة، بل امتد إلى قرارات الاستثمار، وإعادة توطين المصانع، وحتى تحركات العملات، إذ باتت الشركات متعددة الجنسيات تبحث عن أقل كلفة نسبية للوصول إلى السوق الأمريكية، لا عن الأسواق الأكبر فقط.
أثر ملموس أمريكياً
بعد نحو عام من تطبيق الرسوم الأخيرة، أظهرت بيانات التجارة الأمريكية تراجع عجز الميزان التجاري السلعي بنسبة 40 % بين آب وتشرين الأول الماضيين، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
لكن هذا التحسن ترافق مع إعادة توجيه للواردات، انخفاض الواردات من الصين بنسبة 42 %، وتراجعها من كندا بنسبة 9 %، مقابل ارتفاعها من المكسيك بنسبة 4 %، وقفزة كبيرة من فيتنام بنسبة 34 %، ما يعكس تحوّلاً في مصادر التوريد أكثر مما يعكس انكماشاً في الطلب.
من أداة تفاوض إلى بنية دائمة
بحسب تقرير OANDA FX Outlook 2026، لم تعد الرسوم الجمركية تُعامل كأدوات تفاوض مؤقتة، بل كجزء من بيئة اقتصادية دائمة تتداخل مع السياسات الصناعية، ودعم الإنتاج المحلي، وضوابط الاستثمار.
هذا التحول غيّر سلوك الشركات، التي باتت تفترض استمرار القيود التجارية عند اتخاذ قرارات طويلة الأجل، ما سرّع تفكك بعض سلاسل التوريد العابرة للحدود، وأعاد رسم خريطة الاستثمار العالمي.
تجارة تتجزأ.. لا تنهار
ورغم المقارنات التاريخية مع ثلاثينيات القرن الماضي، تُظهر بيانات المؤسسات الدولية أن التجارة العالمية لم تنهَر، بل تباطأ نموّها وتجزأت جغرافياً، فالتدفقات التجارية والاستثمارية باتت تتركز أكثر داخل تكتلات متقاربة سياسياً، مقابل تراجع الانفتاح الشامل الذي ميّز مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
الخلاصة التي تجمع عليها المؤشرات، أن تعريفات ترامب لم تُلغِ التجارة العالمية، لكنها أعادت توزيع المكاسب داخلها، دول نجحت في التموضع داخل النظام الجديد خرجت رابحة، فيما دفعت أخرى ثمن اعتمادها على نموذج تجاري بات أكثر هشاشة في ظل تصاعد الحمائية.
وبينما تستمر هذه السياسات في التأثير على التجارة والاستثمار والتضخم، يبقى السؤال المفتوح عالمياً ليس ما إذا كانت الحمائية ستستمر، بل كيف ستُدار كحالة اقتصادية جديدة تُعيد تشكيل قواعد التجارة الدولية.