دمشق-سانا
ضمن زاوية سانا الثقافية الأسبوعية أمهات الكتب، نقف عند كتاب “البداية والنهاية” للإمام المؤرخ والمفسر الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، أحد أوسع المؤلفات التاريخية في التراث الإسلامي، وأكثرها حضوراً في المكتبة العربية حتى اليوم.
لا يقدم ابن كثير في هذا الكتاب تاريخاً سياسياً فحسب، بل يبني موسوعة كبرى تبدأ من خلق السماوات والأرض، وتمر بقصص الأنبياء والسيرة النبوية وتاريخ الدولة الإسلامية، وصولاً إلى أحداث عصره، ثم الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ومن هنا اكتسب الكتاب اسمه ودلالته، فهو تاريخ يبدأ من البداية، ويمتد إلى تصورات النهاية في الرؤية الإسلامية للزمن والإنسان والمصير.
ابن كثير.. مؤرخ بعين المحدّث
ولد ابن كثير سنة 701 هـ/1301 م في بصرى الشام، ونشأ في بيئة علمية شامية مزدهرة خلال العصر المملوكي، حيث كانت دمشق مركزاً بارزاً لعلوم الحديث والتفسير والفقه والتاريخ، وتلقى علومه على يد عدد من كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم الحافظ المزي، والإمام الذهبي، وابن تيمية، وهو ما يفسر حضور المنهج الحديثي والنزعة النقدية الواضحة في مؤلفاته.
وتذكر كتب التراجم، ومنها ما أورده الذهبي وابن حجي وابن حجر، أن ابن كثير عُرف بسعة حفظه وتبحره في الحديث والتفسير والتاريخ والفقه، ووصفه الذهبي بأنه فقيه متقن ومحدث محقق ومفسر نقاد، فيما قال عنه ابن حجي: “إنه كان من أحفظ أهل عصره لمتون الأحاديث وأعرفهم برجالها وعللها”.
وقد انعكست هذه الخلفية العلمية بوضوح في “البداية والنهاية”، إذ لم يتعامل ابن كثير مع التاريخ بوصفه جمعاً للأخبار المتداولة، بل مادة تحتاج إلى فحص وموازنة وترجيح، مستفيداً من أدوات علم الحديث في نقد الأسانيد والمتون، ومن خبرته في التفسير والفقه في قراءة الوقائع والأحداث.
من الخلق إلى أشراط الساعة
يوضح الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في مقدمته لتحقيق كتاب “البداية والنهاية” أن بنية الكتاب تقوم على تصور موسوعي للتاريخ، إذ يبدأ ابن كثير بذكر خلق السماوات والأرض والملائكة وآدم عليه السلام، ثم ينتقل إلى قصص الأنبياء والأمم السابقة، قبل أن يخصص مساحة واسعة للسيرة النبوية، ثم يرتب أحداث التاريخ الإسلامي على السنوات، وصولاً إلى القرن الثامن الهجري، وينهي عمله بالحديث عن الفتن والملاحم وعلامات الساعة.
وتكشف هذه البنية، وفق ما يظهر من تقسيم الكتاب ومادته، عن رؤية شاملة للتاريخ لا تفصل بين العقيدة والسيرة والسياسة والاجتماع، بل تجعل حركة الإنسان جزءاً من مسار أوسع يبدأ بالخلق وينتهي بالمآل الأخروي، لذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه محاولة لترتيب الذاكرة الإسلامية ضمن أفق زمني متكامل.
كما يبيّن التركي أن ابن كثير جمع في قسم التاريخ الإسلامي بين تسجيل الحوادث الكبرى وذكر تراجم العلماء والخلفاء والأمراء والفقهاء والمحدثين، ما جعل الكتاب سجلاً واسعاً للحياة السياسية والعلمية والثقافية في العالم الإسلامي، ولا سيما في دمشق وبلاد الشام، التي حضرت في الكتاب بوصفها فضاءً علمياً وتاريخياً عاش فيه المؤلف وعاين كثيراً من أحداثه.
نقد الرواية وتنقية التاريخ
من أبرز ما يميز “البداية والنهاية” أن مؤلفه لم يكن ناقلاً محايداً لكل ما وصل إليه من أخبار، بل مارس قدراً واضحاً من النقد والتحقيق، وخصوصاً في تعامله مع الأخبار الضعيفة التي شاعت في كتب التاريخ وقصص الأنبياء.
وقد أكد ابن كثير في مقدمة كتابه ومن خلال تطبيقه العملي ضرورة عرض الأخبار على القرآن الكريم والسنة الصحيحة، والتنبه إلى ما في بعض الروايات من غرابة أو نكارة أو مخالفة للعقل والنقل، وهو ما جعل منهجه مختلفاً عن كثير من المؤرخين الذين اكتفوا بجمع الروايات دون مناقشتها.
وفي دراسة الباحث عبد الرحمن بن علي السنيدي بعنوان “مراجعات ابن كثير ونقده لمتون مرويات السيرة النبوية”، يتضح أن ابن كثير لم يقف عند نقد الأسانيد وحدها، بل مارس أيضاً نقد المتون، أي فحص مضمون الرواية نفسها، من خلال عرض الرواية على ما هو أصح منها، واستدعاء تاريخ التشريع، ومقارنة الروايات بالوقائع الثابتة، والاحتكام إلى المعقول عندما يظهر التعارض أو النكارة.
وتبرز هذه النزعة النقدية بصورة خاصة في أخبار الأمم السابقة والسيرة النبوية والمغازي، حيث كان ابن كثير يجمع الروايات، ثم يعلّق عليها، ويرجح بينها، ويشير أحياناً إلى ضعف بعضها أو غرابته، وبذلك جمع بين وظيفة المؤرخ الذي يحفظ المادة التاريخية، ووظيفة المحدّث الذي يختبر صدقيتها.
السيرة النبوية في قلب الموسوعة
تُظهر النسخة المستقلة من السيرة النبوية، المستلّة من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، أن السيرة احتلت مساحة مركزية في مشروعه التاريخي، إذ تناول فيها نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، والهجرة، والغزوات، والشمائل، والفضائل، والدلائل، والخصائص النبوية.
وجمع ابن كثير في هذا القسم مادة واسعة من كتب المغازي والسير ودواوين السنة، ثم ناقش كثيراً من مروياتها على طريقته في الترجيح والنقد، ويوضح الباحث السنيدي أن ابن كثير أفاد من تراث من سبقه في السيرة والمغازي، لكنه تميز بمحاولة الجمع بين الرواية التاريخية والتحقيق الحديثي، من خلال مراجعة الأسانيد والمتون، والموازنة بين الروايات، وترجيح ما يراه أصح وأقرب إلى الثبوت.
وبذلك تمنح هذه المساحة الواسعة للسيرة النبوية الكتاب قيمة إضافية، لأنه لا يدرس حياة النبي صلى الله عليه وسلم بوصفها فصلاً مستقلاً فقط، بل يضعها في قلب التاريخ العام، بين قصص الأنبياء والأمم السابقة من جهة، ونشوء الدولة الإسلامية وتحولات المجتمع الإسلامي من جهة أخرى.
كتاب بقي مرجعاً
يرى الباحث مختار حديد، في دراسته النقد التاريخي عند المؤرخ ابن كثير من خلال كتابه البداية والنهاية، أن قيمة الكتاب لا تنفصل عن المنهج النقدي الذي اتبعه ابن كثير في التعامل مع الرواية التاريخية، إذ لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل مارس التمحيص والموازنة والنقد.
ومع ذلك، فإن قراءة الكتاب تظل محتاجة إلى وعي بسياقه التاريخي والعقدي، فهو ابن بيئته وزمنه، وفيه روايات تحتاج إلى مراجعة وتمحيص، كما أن رؤيته العقدية تظهر في تقييمه لبعض الأحداث والفرق والشخصيات.
وفي هذا المعنى، يذهب مسعود الرحمن خان الندوي في كتابه “الإمام ابن كثير.. سيرته ومؤلفاته ومنهجه في كتابة التاريخ”، إلى إبراز دقة ابن كثير ونزعته إلى التحقيق والصراحة في النقد، وهي مزايا جعلت “البداية والنهاية” يحظى بتقدير المؤرخين والدارسين، لا لأنه يخلو من كل إشكال، بل لأنه جمع بين سعة الرواية وروح التحقيق ومحاولة تنقية المادة التاريخية من الأخبار الواهية.
ومن هنا يمكن فهم مكانة “البداية والنهاية” بين أمهات الكتب، فهو ليس موسوعة ضخمة في التاريخ الإسلامي فحسب، بل نص يكشف كيف نظر عالم من القرن الثامن الهجري إلى التاريخ بوصفه مجالاً للرواية والعبرة والتمحيص، ويطرح سؤالاً لا يزال حاضراً: كيف تُروى الذاكرة؟ وكيف يمكن الفصل بين النقل والتحقيق؟
إرث ابن كثير
إلى جانب “البداية والنهاية”، ترك ابن كثير مؤلفات كبرى رسخت مكانته في التراث الإسلامي، من أبرزها “تفسير القرآن العظيم”، و”قصص الأنبياء”، و”الفصول في سيرة الرسول”، وهي أعمال تكشف اتساع معارفه بين التفسير والحديث والتاريخ والسيرة.
توفي ابن كثير في دمشق سنة 774 هـ/1373 م، بعد أن ترك إرثاً علمياً ظل حاضراً في الدراسات الإسلامية والتاريخية حتى اليوم، أما “البداية والنهاية” فبقي شاهداً على مشروع مؤرخ جمع بين الذاكرة والنقد، وبين الرواية والتحقيق، مانحاً التاريخ الإسلامي واحدة من أوسع موسوعاته وأكثرها تداولاً وتأثيراً.
