دمشق-سانا
تحت مظلة أسبوع التراث اللامادي الذي تقيمه مديرية الثقافة بدمشق، احتضن المركز الثقافي العربي في العدوي ندوة متخصصة سلّطت الضوء على ثلاثة من أبرز عناصر الفنون الشفوية والموسيقية في المجتمع السوري والعربي: الربابة، والزغردة، والعراضة الريفية.
شارك في الندوة الباحثان أحمد برهوم ومحمد دبور، مؤكدَين أهمية صون هذا الإرث ونقله للأجيال في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، ودوره في تعزيز الهوية الثقافية والذاكرة الشعبية.
الربابة… ذاكرة البادية وصوتها العتيق
استعرض الباحث محمد دبور الجذور التاريخية للربابة، مبيناً أنها من أقدم الآلات الوترية في المنطقة، إذ تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام قبل الميلاد، حين ظهرت في الهند باسم رافاناسترون، وأشار إلى اختلاف الدراسات حول زمن دخولها إلى البلاد العربية، بين من يرجعه إلى أواخر العصر العباسي ومن يؤكد أن العرب عرفوها قبل الإسلام.
وأشار إلى أن الربابة ارتبطت بالبادية ارتباطاً وثيقاً، فكانت رفيقة الشاعر والفارس وشيخ القبيلة، واحتلت مكانة تضاهي السيف والقهوة العربية والحصان الأصيل، وتمتاز بقدرتها على التعبير عن طيف واسع من الانفعالات، ما جعلها ركناً أساسياً في تراث الجزيرة والفرات.
واستعرض مكوناتها التقليدية من الصندوق الخشبي المشدود بجلد الضأن إلى الرقبة وعمود الارتكاز والوتر المصنوع من شعر ذيل الخيل والقوس المصنوع من الخيزران أو الرمان، لافتاً إلى أن العزف عليها ظل حكراً على الرجال في التقاليد البدوية، وذكر عدداً من أشهر العازفين في الجزيرة الفراتية مثل الشاعرين عبد الله الفاضل وعكار البغدادي وغيرهما.
الزغردة… صوت الفرح وطقس العبور
قدّم الباحث أحمد برهوم قراءة موسعة في دلالات الزغردة، بوصفها تعبيراً صوتياً تراثياً ارتبط بالفرح والاحتفال في مختلف البلدان العربية، وتعددت تسمياتها بين الزغرودة والزغروطة واليباب والغطرفة والتزغريته.
تُطلق الزغاريد في الأعراس، وعودة الحجاج، وقدوم المواليد، والانتصارات، حتى في وداع الشهداء، ما يجعلها جزءاً من طقوس الاستقبال والوداع، وتبدأ عادة بعبارة “أوها” وتنتهي بـ “لي لي ليش”، التي يرجّح أنها امتداد لطقس قديم لطلب الحماية وإبعاد الشرور.
العراضة الريفية… احتفال جماعي بروح الأصالة
وتناول برهوم أيضاً العراضة الريفية بوصفها أحد أهم الطقوس الاحتفالية الجماعية التي ترافق الزغاريد، حيث يشارك فيها الرجال والنساء لاستقبال العريس أو الضيوف بلباس تقليدي وحركات منسقة وأهازيج شعبية.
ورغم تطور شكل العراضة اليوم واستخدام مكبرات الصوت والفرق الفنية، إلا أنها لا تزال تحتفظ بروحها الأصيلة القائمة على الترحيب والفخر وتعزيز الروابط الاجتماعية.
وأكد الباحثان في ختام الندوة أن الربابة والزغردة والعراضة الريفية ليست مجرد أدوات أو طقوس احتفالية، بل ذاكرة جمعية تحمل قصص الناس ومشاعرهم وهويتهم، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء أصيل من الثقافة السورية والعربية.