دمشق-سانا
مع قدوم كل فصل ربيع، يعود الكرد إلى ارتداء أزيائهم التراثية الزاهية، وتتحول الساحات والميادين إلى فضاءات نابضة بالألوان والرموز الثقافية، ولا سيما خلال عيد النوروز.
هنا لا يبدو اللباس مجرد ثوب تقليدي، بل سردية ثقافية متكاملة تعكس هوية شعب حافظ على رموزه عبر تاريخ طويل، رغم محاولات الطمس والضغط التي تعرض لها في مراحل مختلفة.
هوية ثقافية تتجاوز حدود اللباس

يُعد الزي الكردي أحد أبرز الرموز الثقافية التي تعكس هوية المجتمع الكردي، ويتجدد حضوره في المناسبات مثل عيد النوروز ومناسبات أخرى، بوصفه علامة انتماء وذاكرة جمعية حيّة، ويعرّفه الناشط الإعلامي محمد سليمان بأنه “هوية ناطقة ومتحف متنقل ووثيقة تاريخية تحكي قصة شعب عريق، وهو الجسر الذي يربط الحاضر بالمستقبل”.
ويشير سليمان في حديثه لـ سانا إلى أن الزي الكردي لا يقتصر على البعد الجمالي، بل يحمل دلالات اجتماعية وثقافية متراكمة، تجعله جزءاً من منظومة الهوية وليس مجرد لباس احتفالي.
جذور تاريخية وتفاعل حضاري واسع
يحمل الزي الكردي سمات حضارية ضاربة في القدم، متجذرة في تاريخ بلاد ما بين النهرين، حيث تُظهر اللقى الأثرية السومرية تنوعاً في أنماط اللباس يعكس ثراءً حضارياً مبكراً، أسهم في تشكيل ملامح أولية لتنوع الأزياء التقليدية في المنطقة.
وبالاستناد إلى دراسات أنثروبولوجية، ولا سيما أعمال العالم النرويجي فريدريك بارث، فإن البيئة الجبلية لعبت دوراً محورياً في تشكيل الخصائص الوظيفية للزي الكردي، من حيث اتساع القصّات وتعدد الطبقات بما يتلاءم مع طبيعة الحركة والعمل في البيئات الجبلية.
كما تداخلت في بنية هذا الزي تأثيرات حضارية متعاقبة في بلاد الرافدين والأناضول والهضبة الإيرانية، بما في ذلك التقاليد الميدية والآشورية والفرثية، والتي تظهر ملامحها في بعض الشواهد الأثرية والنقوش المرتبطة بأنماط اللباس القديمة.
وفي السياق ذاته، انعكست التأثيرات الفارسية في إدخال الأقمشة المزخرفة والألوان الرمزية، فيما رسخ الموروث الإسلامي أنماط الأزياء الفضفاضة وأغطية الرأس، وصولاً إلى التأثيرات العثمانية التي عززت تنوع التطريز والأحزمة والسراويل الواسعة، لتتشكل منظومة لباس تقليدية متعددة المستويات.
أما في القرن العشرين، فقد شهد الزي الكردي مرحلة تحديث جزئي تمثلت في إدخال أقمشة صناعية وتعديلات عملية، دون أن يفقد طابعه التراثي أو رمزيته الثقافية المتوارثة.

وفي هذا الصدد، يلفت المهتم بالتراث الكردي أحمد معاذ يعقوب لـ سانا إلى أن الزي الكردي يتميز بكونه محتشماً وعملياً، ما ساعد على استمراريته عبر الزمن، مشيراً إلى ارتباطه بسياقات ثقافية ودينية متجذرة في المنطقة.
حضور في الأدب والذاكرة الثقافية
حضر الزي الكردي في الأدب الكردي بوصفه رمزاً للهوية والانتماء، وارتبط بالقيم الاجتماعية والذاكرة الشعبية، ويبرز في هذا السياق الباحث جليلى جليل الذي وثّق عناصر الثقافة الكردية ومنها الزي، والباحثة نيفين ريشان غونغور التي ركزت على تفاصيل اللباس النسائي، إضافة إلى الباحثة الأمريكية مارغريت كان التي ترى أن الزي الكردي يجمع بين الجمالية والوظيفية، ويعكس في الوقت ذاته واقعاً اجتماعياً وسياسياً معقداً.
تفاصيل الزي بين الجمال والوظيفة
يوضح محمد سليمان أن الزي النسائي يتألف من “الكرَاس” الطويل، وتحته “دليّنْك”، وفوقهما “الخفتان”، مع إضافات مثل “كوتِك” و”البيشمالك”، كما تتزين المرأة بحلي ذهبية مثل “الجّلابية” و”الكردني” و”الكوهار”، إضافة إلى الحزام الصوفي “الشوحي” وأغطية الرأس التقليدية.
أما الزي الرجالي فيتكون من “الشال” و”الشابك” والكوفية الصوفية، إضافة إلى وشاح “الشوتك” الذي قد يصل طوله إلى 14 متراً، ويُربط بعقد هندسية ترمز إلى مناطق الوجود الكردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران.
ويشير سليمان إلى اختلافات مناطقية في تفاصيل الزي دون المساس بجوهره، مع تنوع في الألوان مثل الكحلي والأسود والخاكي والزيتي، وارتباطه بالبيئة المحلية، إلى جانب تطور المواد المستخدمة، بما يواكب متطلبات العصر مع الحفاظ على أصالته.
كما يلفت إلى أن تكلفة الزي الرجالي مرتفعة نسبياً، ما يجعله غالباً مرتبطاً بالمناسبات، ولا سيما عيد النوروز، مع اعتماد بعض القطع على الصناعة اليدوية وأخرى على الإنتاج الآلي، بينما تُصنع أزياء الأطفال على غرار أزياء الكبار مع تعديل المقاسات.
يتميز الحذاء الكردي الجبلي بكونه مصنوعاً من الجلد والصوف وشعر الماعز، وتستغرق صناعته ما بين شهر وشهر ونصف، ويُعرف بقدرته على مقاومة الظروف الطبيعية القاسية، ولا يعتمد على التفريق بين اليمين واليسار، بل يمكن ارتداؤه في أي جهة، ما يعكس طابعه العملي، أما الأحذية النسائية فتتسم بالبساطة مقارنة بالرجالية.
تنوع محلي يحافظ على الهوية
في عفرين، يوضح الباحث في الفلكلور فتحي شيخو أن الزي الكردي اكتسب خصوصية محلية دون أن يفقد هويته العامة، حيث تنوعت التسميات والملحقات حسب العمر والفئة الاجتماعية.
ففي الماضي، كانت النساء المسنات يرتدين الكوفية من اللباد، ثم استُبدلت بشال ملون مع منديل “بارني”، بينما ارتدت الفئات الأصغر الطربوش أو منديل “جيرون” في المناسبات، كما تميزت منطقة جومه بفستان “كروس” المزخرف.
أما اللباس الرجالي في عفرين فشمل قبعات مخروطية، وعباءات من وبر الماعز، وسراويل فضفاضة، مع أحزمة وملحقات تعكس تنوع البيئة الاجتماعية والمهنية، بما في ذلك لباس الرعاة التقليدي.
من لباس يومي إلى رمز للصمود
يؤكد طالب العلوم السياسية محمد حسين أن الزي الكردي كان جزءاً من الحياة اليومية، قبل أن يصبح اليوم أكثر ارتباطاً بالمناسبات، مع استمرار دلالته كرمز للهوية والانتماء، ويرى أنه يمثل حضوراً ثقافياً متجذراً يعبر عن عمق الذاكرة الجمعية.
وتوضح طالبة الآثار والمتاحف آيندا عبد الله أن ارتداء الزي الفلكلوري يمثل مسؤولية ثقافية وأمانة تاريخية، كونه وسيلة تعبير صامتة عن الذات، وجسراً يربط الأجيال بالإرث الثقافي المتوارث.
صمود في مواجهة محاولات الطمس
تعرض الزي الكردي خلال فترة النظام البائد لمحاولات تقييد في بعض المناطق، ما أدى إلى الحد من ظهوره في الفضاء العام وربطه بالمناسبات القومية، ويشير محمد سليمان إلى أن الكرد في سوريا، ولا سيما في دمشق، واجهوا فترات من التضييق دفعت بعض العائلات إلى إخفاء الزي داخل المنازل، رغم استمرار حضوره بوصفه جزءاً من الهوية.
ويؤكد فتحي شيخو أن الزي واللغة الكردية بقيا عنصرين أساسيين في الحفاظ على الهوية، رغم محاولات الاستهداف، مع استمرار انتقالهما بين الأجيال.
مسؤولية الحفاظ على الإرث الثقافي
يشدد محمد سليمان على أن الحفاظ على الزي الكردي يمثل ضرورة ثقافية، باعتباره أيقونة هوية ورسالة صمود، مؤكداً أن الأجيال الشابة تتحمل مسؤولية نقله وتوثيقه، كما يلفت إلى أن الكرد حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم رغم التحديات.
وينوه إلى أن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص المواطنين السوريين الكرد، يؤكد أن الكرد جزءٌ أصيلٌ من النسيج الوطني السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكّل عنصراً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة، المتعددة والمتكاملة.