دمشق-سانا
منذ القرون الأولى للحضارة العربية والإسلامية، أسهمت المرأة الكردية في ميادين العلم والمعرفة وبناء الحياة العلمية والدينية، عبر أدوار متكاملة جمعت بين التعليم والرعاية والعمل المؤسسي، واحتفظت كتب التراجم والسير بأسماء عالمات ظل كثير منهن بعيداً عن دائرة الضوء، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية ومعرفية في فهم تطور الحركة العلمية الإسلامية ودور المرأة فيها.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب “المرأة الكردية وخدمة السنة النبوية بين الرواية والرعاية”، الصادر حديثاً للدكتور محمد محمود كالو، ليقدّم قراءة توثيقية تسعى إلى إعادة إبراز أدوار المرأة الكردية في خدمة الحديث النبوي، من خلال الجمع بين الرواية العلمية والرعاية المؤسسية، ضمن معالجة تاريخية تعتمد على كتب التراجم والمصادر الحديثة.
عالمات حملن نور الرواية
يعتمد الكتاب على تتبع سير محدّثات كرديات برزن في حواضر العلم الإسلامي، متنقلات بين بغداد ودمشق ومكة وأربيل، حيث أسهمن في نقل الحديث الشريف والحفاظ على دقة الإسناد، حتى أصبحن مرجعاً لعدد من كبار العلماء، ومنهم ابن حجر العسقلاني والسخاوي والذهبي، الذين أشاروا إلى مكانتهن العلمية وأثنوا على جهودهن في خدمة السنة النبوية.
ويستعرض المؤلف نماذج لافتة من هؤلاء العالمات، من أبرزهن شهدة الدينورية التي لُقبت بـ “مسندة العراق”، إلى جانب نساء من بيوتات علمية عرفت باهتمامها بالحديث وعلومه، مثل بيت الحافظ العراقي.
ويشير الكتاب الذي يحمل الطابع التوثيقي إلى أن مشاركة المرأة الكردية في الحياة العلمية لم تقتصر على التلقي والرواية، بل امتدت إلى الإسهام في ترسيخ تقاليد التعليم الديني وحفظ المرويات الحديثة عبر أجيال متعاقبة.
من الرواية إلى بناء المؤسسات
يسلّط الكتاب الضوء أيضاً على الدور المؤسسي الذي أدّته المرأة الكردية في رعاية العلم وطلابه، من خلال تأسيس المدارس والرباطات ودعم الحواضر العلمية، مستعرضاً أسماء مثل زُمُرُّد خاتون “ست الشام”، أخت صلاح الدين الأيوبي، التي أسست مدارس في دمشق، وأسهمت في توفير بيئة علمية لطلاب المعرفة، في صورة تعكس حضور المرأة الكردية في المجالين الثقافي والاجتماعي إلى جانب دورها العلمي.
قراءة توثيقية تستعيد ذاكرة غائبة
ينقسم الكتاب إلى محاور تبدأ بمقدمة تعرض إشكالية البحث وأهميته، ثم ينتقل إلى مبحث الرواية الذي يتناول النبوغ العلمي للمحدّثات الكرديات، يليه مبحث الرعاية الذي يرصد إسهامهن في تأسيس المؤسسات العلمية، وصولاً إلى عرض نماذج من البيوتات العلمية الكردية التي أسهمت في خدمة الحديث النبوي.
وفي تصريح لـ سانا، أوضح الدكتور محمد محمود كالو أن هذا العمل يمثل محاولة لاستعادة صفحات مضيئة من تاريخ النساء، اللواتي خَدمن السنة النبوية، مؤكداً أن الدافع وراء الكتاب هو “الوفاء لمن أسهموا في حفظ الميراث النبوي وإبراز الدور المتكامل للمرأة الكردية بين الرواية الدقيقة والرعاية المؤسسية”.
وأضاف: إن الدراسة اعتمدت منهجية تاريخية وصفية واستقرائية، لكشف إسهامات عالمات بلغن مرتبة “علو الإسناد”، حتى أصبحن مقصداً لكبار المحدّثين، معتبراً أن الكتاب يشكل دعوة لإعادة قراءة دور المرأة في التاريخ الإسلامي ضمن رؤية متوازنة تجمع بين المعرفة والعمل.
الكتاب صادر عن دار المجد في أديامان بتركيا عام 2026، ويقع في 83 صفحة من القطع المتوسط.
يشار إلى أن الدكتور محمد محمود كالو من مواليد حلب 1967، حاصل على الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن من جامعة الجنان بطرابلس، وشارك في العديد من المؤتمرات العربية والدولية، وله نحو 17 كتاباً ورقياً وإلكترونياً، منها: ترجمة القرآن الكريم بين الحظر والإباحة، وعائشة الباعونية شاعرة الشام.