دمشق-سانا
شهدت تظاهرة أفلام سينما الثورة السورية بدورتها الثانية، أمس الخميس، عرض مجموعة من الأعمال في اليوم الختامي للتظاهرة، قدّمت شهادات حيّة وثّقت مشاهد الألم والصمود، بأصوات ووجوه من قدّموا تضحياتهم في سبيل الحرية والكرامة، وذلك من خلال أفلام قصيرة ووثائقية قدّمت سرداً بصرياً وإنسانياً لتلك التجارب.
فيلم «عبد الباسط الساروت».. مسيرة أحد أبرز رموز الثورة السورية

في محور الأفلام القصيرة، يقدّم فيلم «عبد الباسط الساروت» سرداً تاريخياً لمسيرة أحد أبرز رموز الثورة السورية، موثّقاً حياة الشاب الذي وُلد عام 1992 في حي البياضة لأسرة فقيرة، قبل أن يبرز حارساً لنادي الكرامة الحمصي ومنتخب سوريا للشباب.
ويرصد الفيلم تحوّله لاحقاً إلى أحد أبرز وجوه الثورة، ليصبح في سن التاسعة عشرة من المطلوبين لدى النظام البائد، قبل أن يغادر البلاد نحو تركيا، ليعود لاحقاً عام 2017، ويواصل نضاله في صفوف العمل الثوري، وصولاً إلى استشهاده عام 2019.
وينطلق الفيلم خلال 26 دقيقة من توثيق أولى المظاهرات التي خرجت من جامع خالد بن الوليد في حمص، متناولاً بدايات الهتافات والأناشيد التي أطلقها الساروت، مثل نشيد «يا وطنّا يا غالي»، كما يستعرض مواقف ميدانية جمعته بعدد من الناشطين، كفدوى سليمان وباسل شحادة، إلى جانب تنقله بين أدوار متعددة شملت قيادة المتظاهرين، والعمل العسكري، وتوثيق الانتهاكات والمجازر، والمساهمة في جهود فك الحصار ومساعدة الأهالي.
واعتمد الفيلم، وهو سيناريو وإخراج مطر إسماعيل وإنتاج تلفزيون العربي، على توظيف مواد مصوّرة توثّق شجاعة “بلبل الثورة” وحسه النضالي والإنساني، إلى جانب شهادات عدد من المقربين منه.
أيقونات ثورة ريف حلب في فيلم “حجي مارع وأبو الفرات”
قدّم الفيلم القصير «حجي مارع وأبو الفرات» توثيقاً لمسيرة الشهيدين البطلين عبد القادر الصالح ويوسف الجادر في ريف حلب، مسلطاً الضوء على دورهما البارز في النضال الثوري ضد النظام البائد، وشعبيتهما الواسعة.
ويستعرض العمل خلال 24 دقيقة للمخرج حسين روماني، مشاهد موثقة وتصريحات تعود لتلك المرحلة، إلى جانب مقابلات إعلامية أجرياها مع وسائل إعلام أجنبية، إضافة إلى توثيق مشاركتهما في تحرير مساحات واسعة من ريف حلب وبطولاتهما في معارك مدرسة المشاة، وشهادات لعدد من ذويهما ومقربيهما، وصولاً إلى استشهاد أبو الفرات في الـ 17 من كانون الأول 2012، وحجي مارع في الـ 15 من تشرين الثاني 2013.
السينما تضيء على المنظومة التعليمية في إدلب
أما فيلم «سهيل» لأشرف داغستاني فينبثق من قصة حلم البراءة، مسلطاً الضوء على الأطفال الذين واصلوا مسيرتهم التعليمية بإصرار رغم ظروف التهجير والفقر، ليقدّم حكاية التعليم في إدلب وما رافقها من جهود استثنائية بذلها الكادر التربوي لتنظيم العملية التعليمية وأتمتة البيانات، إلى جانب دعم الطلاب في ظل القصف والاستهدافات المتكررة للمنطقة، حيث ينقل خلال 26 دقيقة معاناة الأطفال والمعلمين والعاملين في القطاع التربوي.
الاعتصام الأول
يوثّق فيلم «الاعتصام الأول» أولى الصرخات المطالِبة بإسقاط النظام في الـ 18من نيسان 2011، عقب “جمعة الإصرار”، حيث شهدت ساحة الساعة الجديدة في حمص تجمعاً شعبياً واسعاً عبّر عن حالة الغضب الشعبي ومطالب التغيير.
ويرصد الفيلم تفاصيل المشهد من الهتافات واللافتات، مروراً بتشييد الخيم ورصّ الصفوف ومشاركة النساء والأطفال، إضافة إلى توزيع المياه وإقامة الصلوات، قبل أن يتعرض الاعتصام لاحقاً إلى استهداف قوات النظام البائد، ما أدى إلى سقوط عدد من المصابين والشهداء.
ويعتمد العمل على أرشيف من شهادات حيّة ومقاطع مصوّرة مؤلمة، ليختتم بشهادة الشيخ محمود الدالاتي الذي يقول: “أدركنا أن هذه الثورة لا خيار لها.. إما النصر أو الشهادة”، ليشكّل الفيلم توثيقاً لذاكرة ثورية جماعية.
ذاكرة صيدنايا

في محور الأفلام الوثائقية، يقدّم فيلم «استعصاء سجن صيدنايا» قراءة توثيقية لتحول السجن إلى رمز للذاكرة، مسلطاً الضوء على أحداث عام 2008، حين اندلعت حالة استعصاء داخل السجن احتجاجاً على التعذيب والانتهاكات المتواصلة بحق المعتقلين من قبل النظام البائد.
ويستند العمل بدقائقه الـ 26 وهو من إعداد مضر أفندي، وإنتاج عبد الرحمن الكيلاني إلى شهادات السجناء السابقين عبد الناصر حميدي وماهر أسبر وسليمان أبو الوليد، كاشفاً تفاصيل تلك المرحلة.
ملف الإختفاء القسري
أما فيلم «مختفون» للمخرجة ياسمين فضة فيستعيد قضية الإختفاء القسري، مسلطاً الضوء على قضية الدكتورة المعتقلة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة والممرضة مجدولين القاضي.

ويروي العمل تفاصيل القضية على لسان شقيقها حسان العباسي، منذ لحظة انقطاع الاتصال مع العائلة بتاريخ الـ 11من آذار 2013، واعتقالهم من قبل سرية المداهمة التابعة للفرع 215، مستنداً كذلك إلى شهادات ناجين كانوا برفقتهم، في حين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
وفي السياق ذاته، يركّز فيلم «بيننا.. حكايا الغائبين» على شهادات ميدانية من مدينة اللاذقية، توثّق قصة استشهاد نادر حصري برصاصة في الرأس عام 1979، وإبراهيم جانودي داخل معتقلات النظام البائد عام 2013، ليشكل العمل توثيقاً لدور الذاكرة في الحفاظ على حضور الغائبين، وعرض الحالات الاجتماعية والنفسية المرتبطة بذلك.
ندوات حوارية وتكريم صنّاع الأفلام
خلال الندوات الحوارية التي أعقبت العروض، أوضح عدد من صناع الأعمال، ومنهم حيدر شحود أن فيلم الاعتصام الأول ركّز على توثيق أبرز أحداث المرحلة الأولى لمظاهرات حمص مع موازنة المشاعر وإظهار الحقيقة، كما بيّن محمد خير الشامي أن فيلم “استعصاء سجن صيدنايا” اعتمد على شهادات معتقلين رغم صعوبة توثيقها سابقاً، فيما تحدث سراج الباشا عن التحول من العمل الإخباري إلى الوثائقي وتأثيره النفسي، وأكد محمود الأتاسي حساسية تناول قضايا المفقودين، مع السعي لكشف الحقائق رغم التحديات.
وقد كرمت المؤسسة العامة للسينما خلال اليوم الأخير من التظاهرة صانعي الأفلام: أشرف الداغستاني، و محمد الناصر، وحيدر شحود، وأحمد الزعبي، ومحمد العسلي، وسراج الباشا، ومجد العسلي، ومحمود الأتاسي، وعبد الله الآغا.
وفي تصريح لمراسلة سانا، أكد الداغستاني أن عرض هذه الأفلام في قلب دمشق، يُعد من ثمار النصر التي عكست الواقع ونقلته بدقة، مشيراً إلى أن ذلك يشكّل دافعاً لمزيد من الأعمال التي تصب في مصلحة الوطن.
ومن الحضور، أكدت السيدة سلوى أهمية السينما في مرحلة ما بعد التحرير حفظاً لذاكرة الأجيال وتوثيقاً لمعارك الشرف والنضال ضد الظلم والاستبداد.
وكانت المؤسسة العامة للسينما أطلقت الدورة الثانية من تظاهرة “أفلام الثورة السورية” يوم الأحد 19 نيسان في دار الأوبرا بدمشق، وضمت 24 فيلماً (روائياً طويلاً وقصيراً ووثائقياً) توثق مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا.







