دمشق-سانا
تكشف مجموعة “طبيب في الريف /مورفين وقصص أخرى” للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف أبعاداً عميقة من التجربة الإنسانية، حيث تتقاطع موضوعات الألم والعزلة والإدمان في نصوص ترصد هشاشة الفرد وتضعه في مواجهة ذاته.
ويُعد هذا العمل نموذجاً بارزاً في الأدب الروسي، لما يقدمه من مزج بين الواقعية والتحليل النفسي، في معالجة دقيقة للجوانب الإنسانية المعقدة.
تجربة ذاتية تتحول إلى سرد مأساوي
تستند رواية “مورفين” إلى تجربة شخصية عاشها ميخائيل بولغاكوف خلال عمله طبيباً في الأرياف الأوكرانية والروسية مطلع القرن العشرين، حيث يجسد بطل الرواية الطبيب سيرغي بولياكوف صورة قريبة من المؤلف، الذي واجه ضغوط العمل الطبي المكثف وانزلق إلى إدمان المورفين.
وتُقدَّم الرواية في شكل يوميات موجزة يكتبها الطبيب بولياكوف، الذي يوصي قبل انتحاره بتسليمها إلى صديقه الطبيب بومغارد، ومن خلال هذه اليوميات، تنكشف تدريجياً أسباب الإدمان وأشكال المعاناة المرتبطة به، في سرد يعتمد على التشويق والتنامي المتسارع للأحداث.
قصص متعددة تكشف قسوة الواقع
يضم الكتاب، الصادر عن دار صفحات في دمشق عام 2025 بعنوان “طبيب في الريف /مورفين وقصص أخرى”، مجموعة من النصوص التي تعكس عالم بولغاكوف المليء بالتوتر والقلق، مقدّماً صوراً للحياة الريفية القاسية، وما يرافقها من صراع الإنسان مع المرض والجهل، إلى جانب طرح نقدي غير مباشر للواقعين الاجتماعي والسياسي، يتخلله أسلوب يقوم على السخرية السوداء.
ومن بين هذه القصص: “المنشفة ذات الديك”، “الولادة”، “نار الخان”، “المومياء المصرية”، “لقد قتلت”، و”التاج الأحمر”، حيث تأتي كل قصة بأسلوب خاص يتناسب مع موضوعها، دون مبالغة أو تكلف، وبقدرة واضحة على إيصال الفكرة بلغة مناسبة.
المترجم: العمل تجربة إنسانية عميقة
في حديثه لـ سانا الثقافية، أوضح الشاعر والمترجم والناقد ثائر زين الدين، الذي نقل العمل إلى العربية، أنه سبق أن ترجم لميخائيل بولغاكوف أكثر من عمل قصصي وروائي، ومنها نوفيلا التي تنضح من سيرته الذاتية.
وأضاف: إن الرواية عميقة جداً، فهي لا تعالج حالة إدمان فقط، بل تضعنا في عمق قصة إنسانية ندرك من خلالها أن البطل في الرواية أدمن على المورفين بسبب ترك زوجته له، وكانت مغنيةً شهيرة في إحدى دور الأوبرا، وطبعاً لا يستطيع بطل الرواية التخلص من هذا الإدمان، وينتحر، تاركاً مخطوطاً صغيراً لزميله الذي نشره فيما بعد.
وفيما يتعلق بنقل لغة الرواية إلى العربية، أوضح زين الدين أن عملية الترجمة لم تكن سهلة، إذ احتاجت إلى دقة علمية ومعرفة بالمصطلحات الطبية والأجهزة، مؤكداً: مخطئ من يظن أن بإمكانه نقل نص أدبي من لغته الأم إلى لغة أخرى، إن لم يكن أديباً وعلى معرفة عميقة بلغة النص الأصلية (لغة المنبع) ولغة المصب.
شخصية مركبة وأسلوب يمزج العلم بالتشويق
ما لفت المترجم في شخصية الطبيب بطل الرواية أنها شخصية عميقة ومركبة، تعاني من الخذلان في الحب، وتعيش في الوقت نفسه صراعاً في الريف ومع الناس ومع الحالات المرضية الكثيرة التي تواجهها، وأعرب عن دهشته من قدرة الكاتب على الإحاطة بهذه الشخصية في صفحات قليلة.
ووجد زين الدين أن أسلوب بولغاكوف جمع بين الدقة الطبية والسرد البوليسي المشوق والعمق الوجداني، في شكل مذكرات يومية تحافظ على إيقاع متوتر يجبر القارئ على الاستمرار، إلى جانب رسالة تربوية واضحة تدعو إلى الابتعاد عن المخدرات وفهم الإدمان بوصفه نتيجة أزمات إنسانية، لا مجرد ضعف شخصي، وتوجّه رسالة إلى القارئ العربي بضرورة الصمود النفسي والابتعاد عن الإغراءات المدمرة.
وأضاف: إن بعض المقاطع في العمل كانت متعبة وصعبة، ونُقلت بجمل عميقة ذات بعد نفسي، ولا سيما تلك التي يستحضر فيها البطل حبيبته الهاربة، إضافة إلى مشاهد إدمانه ومحاولات الممرضة التي كانت تعمل معه ثنيه عن تعاطي المورفين.
وأشار زين الدين أيضاً إلى أن الكتاب يضم إلى جانب مورفين تسع قصص قصيرة مهمة، تقدم تجربة متنوعة تختلف عن أسلوب الرواية، وتُظهر قدرة الكاتب على التنقل بين موضوعات وأساليب متعددة دون تعسف أو مبالغة.
ورأى أن «مورفين» وقصص بولغاكوف تمثل إضافة نوعية إلى ثقافة القارئ العربي، رغم مرور زمن طويل على كتابتها في الثلث الأول من القرن الماضي، إذ لا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير من خلال أسلوبها المشوق ورسالتها الإنسانية، بما يتيح للقارئ والكاتب العربي الاستفادة منها على حد سواء.
نبذة عن الكاتب والمترجم
ميخائيل بولغاكوف (1891–1940) كاتب روسي بارز جمع بين الطب والأدب، وترك أثراً عميقاً في الأدب العالمي، استلهم أعماله من تجربته طبيباً في الريف، فصوّر الألم الإنساني بواقعية وسخرية سوداء، ومن أشهر أعماله المعلم ومارغريتا ومورفين وقلب كلب، ولا يزال تأثيره مستمراً حتى اليوم.
أما المترجم ثائر زين الدين فهو شاعر ومترجم وناقد سوري، مهندس متخرج من جامعة دمشق حاصل على درجة الدكتوراه من موسكو، صدر له نحو 75 كتاباً في مجالات الشعر والترجمة والنقد، ومنها سيدة الفراشات ومن ترجماته عودة الإنسان والحياة والمصير، ومن نقده كتاب أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي المعاصر.