دمشق-سانا
لم يكن المسار الذي سلكه كثير من الصحفيين السوريين خلال سنوات الثورة مساراً مهنياً تقليدياً، إذ تحولت الكاميرا بالنسبة لهم إلى وسيلة لتوثيق واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ البلاد الحديث، في ظل ظروف ميدانية معقدة ومخاطر كبيرة رافقت العمل الصحفي.
ومع القيود التي فرضها النظام البائد على دخول وسائل الإعلام الدولية إلى البلاد، وجد عشرات النشطاء والصحفيين أنفسهم في الخطوط الأمامية للأحداث، يعملون على توثيق الاحتجاجات والانتهاكات في ظل ظروف بالغة الخطورة، وما رافقها من مخاطر الاعتقال والتعذيب والقصف، بهدف نقل صورة ما يجري وتوثيق معاناة المدنيين.
الكاميرا في قلب الثورة
ياسر الفوال، المعروف باسم ياسر الدوماني، من أبناء مدينة دوما في الغوطة الشرقية، كان من بين الناشطين الذين دخلوا العمل الإعلامي من بوابة الثورة، حيث بدأت مشاركته مع الاعتصامات السلمية الأولى التي خرجت تضامناً مع أطفال درعا عام 2011، وتعرض منزله جراء ذلك لعدة مداهمات قبل أن يُعتقل ويخضع للتعذيب في محاولة لانتزاع معلومات حول تواصله مع وسائل الإعلام.
لاحقاً أصبح الفوال ناطقاً باسم تنسيقية دوما ومصوراً ميدانياً يوثق آثار القصف اليومي على المدينة، كما غطى معارك في جوبر وحرستا ودوما، وأصيب أكثر من مرة أثناء عمله.
ومن أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرته توثيقه للهجوم الكيميائي في الغوطة عام 2018، حيث كلفه هذا التوثيق ثمناً شخصياً قاسياً، إذ داهمت قوات النظام البائد منزله واعتقلت والده مرتين، ما أدى إلى فقدانه إحدى عينيه داخل المعتقل، كما اعتُقل شقيقه، أما الفوال نفسه فتعرض لضغوط وتهديدات لإجباره على دعم رواية النظام أمام المحكمة في لاهاي، لكنه رفض.
ورغم المخاطر، يؤكد الفوال لـ سانا، أن العمل الإعلامي أسهم في إيصال صوت المدنيين المحاصرين إلى الخارج، ويستذكر تقريراً صوره عن معاناة أطفال الغوطة من البرد، وهو ما ساعد لاحقاً في إدخال الوقود للمنطقة.
إعلاميون بالصدفة
بالنسبة إلى الصحفي براء عثمان، المعروف باسم أبو اليسر براء، لم يكن العمل الإعلامي خياراً مخططاً له، فقد كان يدير شركة للإنتاج الإعلاني وبدأ دراسة الأدب الإنكليزي قبل أن تغيّر أحداث الثورة مسار حياته.
يقول عثمان لـ سانا: “إن اللحظة التي دفعته إلى العمل الصحفي، جاءت عندما رفع هاتفه لتصوير إحدى المظاهرات في 15 آذار 2011، بعد ذلك بفترة قصيرة تعرض للضرب والملاحقة من قبل قوات النظام البائد، ثم اعتُقل لمدة شهرين في سجون المخابرات الجوية”.
ويضيف: التجربة لم تثنه عن الاستمرار، بل شكلت دافعاً لمواصلة التوثيق، وتطوير أدواته وتنظيم عمله لتوثيق المجازر والانتهاكات منها مجزرة الكيماوي عام 2013، ويؤكد أن أهم درس خرج به الإعلاميون السوريون خلال الثورة هو أن الصحفي يجب أن يبقى صوت الحقيقة، وأن مستقبل سوريا سيعتمد بدرجة كبيرة على دور الإعلام في إعادة بناء سردية وطنية جامعة تعيد الثقة بين مكونات السوريين كافة.
التغطية تحت الحصار
الصحفي إبراهيم الخطيب من مدينة حلب بدأ عمله الإعلامي في بدايات الاحتجاجات، حيث كان يوثق المظاهرات مع شقيقه محمد سعيد مستخدماً معدات بسيطة، قبل أن ينضم لاحقاً إلى قناتي الآن وأورينت، لتغطية الأحداث في المدينة.
خلال سنوات الثورة واجه الخطيب سلسلة من المآسي الشخصية، فاغتيل شقيقه عام 2013، ثم أصيب هو عام 2016 أثناء تغطيته للقصف، ما أدى إلى فقدان إحدى عينيه، ورغم ذلك واصل عمله الميداني، موثقاً أحداثاً مفصلية مثل حصار حلب وعمليات تهجير الأحياء الشرقية، وصولاً إلى تغطية زلزال عام 2023، ليواصل اليوم عمله الصحفي مراسلاً لتلفزيون سوريا، مسجلاً مساراً شخصياً ومهنياً عززه عمله خلال سنوات الثورة.
ضغوط تمتد إلى العائلة
لم تقتصر الضغوط على الصحفيين أنفسهم، بل طالت في كثير من الأحيان أفراد عائلاتهم، كما يذكر المراسل الميداني هيثم العك، الذي اضطر إلى مغادرة مدينته اللاذقية عام 2011، حيث مارس النظام البائد ضغوطاً متكررة عليه عبر اعتقال عدد من أفراد عائلته، بينهم والداه وشقيقته.
العك الذي عمل خلال السنوات الماضية مع عدة وسائل إعلامية، من بينها قناة الجسر وصحيفة ليفانت نيوز والإخبارية السعودية، يتذكر حادثة تلقى فيها اتصالاً من أحد عناصر النظام البائد عرض عليه تسليم نفسه مقابل إطلاق سراح بعض أفراد عائلته.
ورغم هذه التجارب القاسية، يؤكد العك أن السوريين ما زالوا يأملون في مستقبل أفضل، معرباً عن أمله بأن تفتح المرحلة المقبلة المجال لإعادة إعمار سوريا وبناء حياة أكثر استقراراً.
استهداف ممنهج للصحافة

بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن استهداف الصحفيين جاء ضمن سياسة هدفت إلى السيطرة على تدفق المعلومات، حيث يوضح في هذا الصدد مدير الشبكة فضل عبد الغني لـ سانا، أن النظام البائد فرض قبل عام 2011 سيطرة شبه كاملة على وسائل الإعلام، ثم سعى بعد اندلاع الاحتجاجات إلى إغلاق البلاد أمام الصحافة الدولية المستقلة، ما خلق فراغاً معلوماتياً كبيراً.
ويتابع..هذا الفراغ ملأه ما أصبح يعرف بـ “المواطن الصحفي”، الذي استخدم الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي لنقل الصور والمعلومات من مناطق الاحتجاج، لكن هذا الدور جعله هدفاً مباشراً للأجهزة الأمنية، حيث يشير عبد الغني إلى أن النظام البائد اتبع استراتيجية تدريجية في التعامل مع هؤلاء الصحفيين، بدأت بالمراقبة، ثم الاعتقال والضغط لانتزاع المعلومات، وصولاً إلى الإخفاء القسري أو التصفية.
أرقام توثق الثمن الباهظ
تشير إحصاءات الشبكة إلى أن 559 إعلامياً قتلوا على يد قوات النظام البائد بين آذار 2011 وكانون الأول 2024، فيما توفي 47 صحفياً تحت التعذيب، وقتل 24 صحفياً على يد حلفاء النظام.
وكان عام 2013 الأكثر دموية بالنسبة للصحفيين، إذ شهد نحو 25% من إجمالي الوفيات، يليه عام 2012 بنسبة 18% ثم عام 2014 بنسبة 16%.
أما فيما يتعلق بالاعتقال، فوثقت الشبكة 1047 حالة اعتقال أو اختطاف لصحفيين وعاملين في المجال الإعلامي، بينهم 394 شخصاً ما زالوا في عداد المختفين قسرياً.
ذاكرة لا تريد أن تُمحى
بالنسبة لكثير من الصحفيين السوريين، تشكل الصور التي وثقت القصف والقصص التي نقلت معاناة المدنيين، أرشيفات شخصية وجماعية قد تصبح لاحقاً جزءاً من سجل تاريخي أوسع.
وبين الكاميرا التي رصدت المأساة والكلمة التي حملت صوت الناس، بقيت الصحافة بالنسبة للإعلاميين السوريين شهادة على الحقيقة ومحاولة دائمة لحفظ ذاكرة السوريين في مواجهة النسيان.