دمشق-سانا
يقدّم كتاب “في نشأة النفس وتطور وظائفها العليا” للدكتور بدر الدين عامود معالجة علمية وفكرية معمّقة لسؤال طالما شغل الإنسان: ما النفس البشرية؟ وكيف تطورت وظائفها العليا كالوعي واللغة والتفكير؟.
يسعى المؤلف إلى إخراج هذا السؤال من دائرة الغموض، إلى مجال التحليل العلمي القائم على التراكم المعرفي والخبرة العملية، مستنداً إلى علم النفس بوصفه علماً إنسانياً واجتماعياً في آن واحد.
صدر الكتاب عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2026، وجاء في 320 صفحة من القطع الكبير، موزّعة على 17 فصلاً، نُشر بعضُها سابقاً في دوريات علمية متخصصة، ما يمنح العمل طابعاً بحثياً راسخاً ومتدرجاً في البناء.
النفس بين الوراثة والمجتمع
ينطلق المؤلف من اعتبار النفس البشرية قضية تنموية واجتماعية بامتياز، أي أنها لا تفهم بمعزل عن شروط المجتمع والتاريخ، وفي هذا السياق يناقش اتجاهين رئيسيين في علم النفس:
الأول هو الاتجاه الوراثي الذي يردّ نشوء النفس إلى العوامل البيولوجية والجينية.
والثاني هو الاتجاه الاجتماعي الذي يركز على دور البيئة والعلاقات الاجتماعية.
ويقدّم المؤلف رؤية توفيقية تجمع بين الاتجاهين، مفادها أن نشوء النفس البشرية وارتقاء وظائفها العليا هو نتيجة النشاط النظري والعملي الذي يمارسه الإنسان داخل سياق اجتماعي وتاريخي محدد، وهذا يعني أن الإنسان يطوّر وعيه وقدراته من خلال امتلاكه الخبرة الاجتماعية المتراكمة، أي ما راكمه المجتمع عبر الزمن من معارف ومهارات وقدرات، ينقلها للأفراد عبر التربية والتعليم والعمل.
الثقافة والتعليم وتطوّر الوظائف النفسية
يتناول الكتاب الثقافة بوصفها نتاجاً للحاجة الإنسانية ومنبعاً لتجلّيات الوعي، موضحاً كيف تطور مفهوم الثقافة تاريخياً، ودور المؤسسات التعليمية والتربوية والعلمية في تلبية الحاجات المعرفية للأفراد، كما يناقش التنمية البشرية باعتبارها حالة ثقافية واجتماعية، لا مجرد نمو فردي معزول.
ويولي المؤلف أهمية خاصة لدور التعليم في نقل المعارف وبناء القدرات وتشكيل الشخصية، محللاً تطوّر النفس عند الطفل والتلميذ، وعلاقة النشاط الجمعي (أي التفاعل مع الآخرين)، واللعب، والمشي، بالتطور العضوي والنفسي والاجتماعي، باعتبارها أنشطة أساسية في بناء الإنسان منذ الطفولة.
ويخصّص الكتاب فصولاً لدراسة موضوعات محورية مثل الوعي واللاوعي (أي ما يدركه الإنسان وما يعمل في نفسه دون وعي مباشر)، والإبداع والحدس، واللغة والكلام، والذاكرة وآليات عملها، كما يتناول قضايا شائعة، مثل لغة الجسد، التنويم المغناطيسي، والاختبارات النفسية، مقدّماً قراءة علمية تهدف إلى إزالة اللغط والتزييف المرتبط بها.
نبذة عن المؤلف
الدكتور بدر الدين عامود من مواليد سلمية عام 1944 حاصل على دكتوراه في الفلسفة – علم النفس، عمل في مديرية البحوث بوزارة التربية، ودرّس في عدد من الجامعات العربية، وشارك في مؤتمرات وندوات علمية، وأشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه، وله مؤلفات وترجمات عديدة في علم النفس والتربية.