دمشق-سانا
جاء الكتاب الأخير الذي قدمه المفكر السوري الراحل ميشيل كيلو، قبيل رحيله، “من الأمة إلى الطائفة: سوريا في حكم البعث والعسكر” خلاصة لمسار فكري ونضالي طويل، قرأ من خلاله التحولات العميقة التي شهدتها الدولة السورية منذ نشأة حزب البعث العربي الاشتراكي، وحتى اندلاع الثورة السورية عام 2011.
توقف كيلو في كتابه عند انتقال الدولة في سوريا من مشروع قومي حمل آمال الدولة الوطنية إلى نظام سلطوي، في قراءة تجمع بين التحليل السياسي والخبرة الشخصية التي راكمها الكاتب عبر عقود من المتابعة والمواجهة الفكرية.
ثلاث مراحل تاريخية للحكم البعثي
قسّم كيلو كتابه إلى ثلاث مراحل تاريخية رئيسية، بدأت الأولى من تأسيس حزب البعث عام 1947، حتى انقلاب ال 23 من شباط عام 1966، بينما تمتد الثانية من هذا الانقلاب إلى ال 16 من تشرين الثاني 1970، تاريخ انفراد حافظ الأسد بالسلطة، في حين تغطي المرحلة الثالثة الفترة الممتدة من عام 1970 حتى اندلاع الثورة السورية في آذار 2011.
ويعرض الكتاب آليات السلطة البعثية التي مكّنتها من إحكام سيطرتها على مفاصل الدولة طوال هذه العقود، مشيراً إلى ما آلت إليه الأوضاع بعد ترسّخ حكم ما يسميه كيلو “الأسدية”، من خلال تطييف السلطة والمجتمع، وحصر دور الدولة في بعدها الطائفي، والسيطرة على المجال العام عبر نخب مرتبطة بالسلطة، تتولى تمثيل شرائح اجتماعية محرومة وتغطية سياسات معدّة مسبقاً.
قاعدة الحكم في النظام البائد
يهدف الكتاب إلى تفكيك العلاقة بين الحزب والجيش والطائفة، بوصفها القاعدة التي قام عليها حكم البعث، ثم تعززت في عهد حافظ الأسد، وينطلق كيلو من تحليل الفكر التأسيسي للحزب، ولا سيما أطروحات ميشيل عفلق حول «الرسالة الخالدة للأمة العربية»، معتبراً أنها قامت على منطق أيديولوجي افتقر إلى الأسس العلمية والواقعية السياسية، ما سهّل انتقال الحزب من العمل السياسي إلى الارتهان للمؤسسة العسكرية، في ظل الانقلابات التي أعقبت الاستقلال، وأجهضت التجربة الديمقراطية الوليدة.
ويتوقف الكاتب عند تجربة الوحدة السورية المصرية بين عامي 1958 و1961، بوصفها محطة مفصلية في تاريخ حزب البعث، حيث دعم الحزب مشروع الوحدة ثم انقلب عليه بعد شعوره بالتهميش السياسي، فيرى كيلو أن هذه التجربة أسهمت في تعزيز دور اللجنة العسكرية البعثية التي قادت انقلاب سنة 1963، وأقصت القيادة التاريخية للحزب، ومهّدت لتحويله إلى أداة بيد الضباط.
كما يولي الكتاب اهتماماً بالصراع داخل السلطة بين جناحي صلاح جديد وحافظ الأسد، والذي انتهى بانقلاب سنة 1970، ويعتبر كيلو هذا الحدث لحظة تأسيس “الأسدية”، وهي بنية حكم تقوم على تركيز السلطة بيد فرد واحد، وبناء أجهزة أمنية وعسكرية ذات تركيبة طائفية، وتحييد السياسة والمجتمع لمصلحة منطق الأمن والولاء.
سياسات النظام البائد داخلياً وخارجياً
يحلل الكاتب سياسات النظام البائد الداخلية والخارجية، موضحاً كيفية إعادة تشكيل حزب البعث، وتفكيك بنيته القومية، والدخول في صراع مع بعث العراق، إلى جانب التحالف الاستراتيجي مع إيران، والأدوار الإقليمية في لبنان وفلسطين، ضمن حسابات مرتبطة باستمرار النظام، ويرى أن هذه السياسات رافقها تدمير للمجال العام، وبناء شبكة اقتصادية وصفها زبائنية، والسعي إلى ربط الأقليات بالنظام وإشعارها بأنه بمثابة الحامي لها.
هشاشة النظام البائد وانكشافه مع الثورة
يخلص الكتاب إلى أن نظام “الأسدية” تمكن من تدجين المجتمع لعقود عبر القمع والتخويف وتفريغ السياسة من مضمونها، إلا أن هذا الواقع كان هشاً، وانكشف مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، التي أظهرت عمق الأزمة البنيوية في الدولة والمجتمع، وأسقطت الخطاب القومي عن نظام استبدادي ذي طابع طائفي.
يذكر أن كتاب “من الأمة إلى الطائفة: سوريا في حكم البعث والعسكر”، صادر عن دار موزاييك للدراسات والنشر، ويقع في 386 صفحة من القطع الكبير.
ميشيل كيلو في سطور
ميشيل كيلو مفكر وكاتب وصحفي سوري من مواليد مدينة اللاذقية عام 1940، ويعد واحداً من أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية المعارضة في سوريا، درس الصحافة في مصر وألمانيا، ثم عمل مترجماً في وزارة الثقافة، عُرف بنشاطه في الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان، وترأس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، تناولت كتاباته نقد الاستبداد وتحليل بنية السلطة في سوريا، وتعرّض منذ السبعينيات للاعتقال عدة مرات بسبب مواقفه السياسية، كما عاش سنوات خارج البلاد، وغادرها للمرة الأخيرة بعد اندلاع الثورة، حيث نشط في الهيئات التابعة للمعارضة ضد النظام البائد، حتى وفاته في ال 18 من نيسان عام 2021 في باريس جراء إصابته بفيروس كورونا، من أبرز كتبه: نظرية الدولة، الديمقراطية الاشتراكية.