دمشق-سانا
تقدم رواية (مخاتير المحصورة) للكاتب نور الدين الإسماعيل قراءة متعمقة للواقع السوري من خلال عدسة قرية افتراضية، تلتقط الصراعات الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي عاشها السوريون زمن النظام البائد.
تعكس الرواية واقع سوريا من خلال قرية (المحصورة) الافتراضية، وتقدم صورة قاتمة عن الواقع السوري خلال سنوات الثورة، حيث تتشابك الشخصيات والحوادث لتعكس ظلالاً عليه.
مرآة رمزية للوطن
تتشابك في الرواية الشخصيات والأحداث لتجسّد الخوف، الولاء، والتبعية زمن النظام البائد، كما تعكس أبعاد النفوذ والهيمنة التي مارسها وأثرها على الحياة اليومية، في سرد يوازن بين التوثيق الرمزي والتجربة الإنسانية، ولكنها تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصبح مرآة للوطن، وترسم صورة حزينة ولكن نابضة بالحياة عن سوريا زمن النظام البائد.
وقد قدم لها الناقد محمد منصور بكلمات تصفع الذاكرة لإبقائها حية عندما يقول: “حين يُجعل من هذا الخوف سجناً للإنسان، لا يتخطاه وإن جاء من يفتح له الأبواب ويفك له القيود والأصفاد”.
شخصيات روائية وإسقاط سياسي
نجد في الرواية تفاصيل كثيرة تقرأ أوجاع السوريين المسكوت عنها عبر متخيل قرية (المحصورة) ومختارها، مع شخصيات تتعايش فيها وتقتات بعضها على بعض وفق منظومة أدوات خاصة اختارها الكاتب بنفسه.
يتشكّل النص في الرواية في فضاء سردي مُجرد، بوصفه بناءً لغوياً عالي الاشتباك، لا يكتفي بمحاكاة الواقع، بل يُعيد إنتاجه كنسق سلطوي مشحون بالخوف، تتسرّب عبره آليات الهيمنة إلى أدق تفاصيل العيش اليومي، وتتآكل البراءة بوصفها قيمة ممكنة، وتغدو العلاقات العادية طقوساً رمزية مثقلة بالخوف، حيث يتحوّل المألوف إلى أداة ضبط، والحميمي إلى موضع شك، واللغة نفسها إلى حقل اشتباه دائم.
تعلق الرواية زمنها عند تخوم عام 2014، لكنها لا تستكين إلى حدوده، بل تنفتح على أفق استشرافي قادم، يلتقط مبكراً ما سيؤول إليه الواقع السوري، من تصاعد عنف النظام البائد، تفكك البنية الحاكمة من الداخل، وانكشاف المجتمع على ذاته عارياً من سرديات الطمأنينة.
المشهد السياسي في بيئة مصغّرة
تُجمّد الرواية حالة الارتباك التي سادت تلك المرحلة داخل (المحصورة) وتكشف آلياتها، فتختصر المشهد السياسي السوري الواسع في بيئة مصغّرة تتحوّل فيها الشخصيات إلى فئات رمزية ذات دلالات اجتماعية وسياسية، تتداخل لحظات ما قبل الانفجار، حيث تتصاعد التوترات، وتبدأ السلطة بفقدان شرعيتها الرمزية، ليظهر إلى العلن أنها غدت وكراً للمصالح، التقارير، والانتقام، تحيط بها الشبهات، ويهيمن عليها منطق التخوين.
لا تعد (المحصورة) مجرد قرية، بل فضاء رمزي يُحاكي بنية السلطة المركزية في صورتها المصغّرة، حيث يبرز (المنزول) بوصفه مركزاً اجتماعياً يتحوّل إلى مسرح للتمثيل السياسي، تُدار فيه الحوارات، وتُنسج المؤامرات، وتُختبر الولاءات، فالبيوت، والأزقة، والولائم، وحتى فنجان القهوة، جميعها تتحوّل إلى رموز مشحونة.
وفي هذا الفضاء، تبرز شخصيتا رمضان والأستاذ، معصوبي العينين، إشارة إلى العبور من الظلم إلى النجاة، بينما تتفلت باقي الشخصيات من قبضة الكاتب لتخطّ سيرتها الخاصة، موسّعةً أفق (المحصورة)، ومحوّلةً إياها إلى فضاء سردي رحب يتجاوز حدود الجغرافيا.
شخصيات ودلالات
المختار أبو دحام: نرجسية دفاعية تتغذى على الخوف من فقدان السيطرة، لكنه يعيش قلقاً وجودياً على مكانته.
رمضان القط: المواطن الذي يحاول التمسك بصدقه الداخلي وسط حصار رمزي واجتماعي، مدركاً لما يُحاك له رغم عدم امتلاكه وسائل حماية.
الأستاذ رامي: يمثل الاتزان النفسي، ويتعامل مع السلطة بذكاء.
سلوم، أبو سليم، الشيخ رضوان، سعدو: يتحوّلون إلى “كومبارس”، يؤيدون دون وعي.
الطفل المقيد: يُجسّد تحويل البراءة إلى عدو.
الشيخ: كائن هجين بين البشر والجن، يقدّم نفسه كوسيط بين هذين العالمين.
لغة الرواية
لغة الكاتب مشحونة بالتوتر، تتناسب طردياً مع الأحداث متعددة الذرى، فتتراوح بين الفصحى المحكمة والسرد المشحون بالعامية الرمزية، ما يمنح الشخصيات طابعاً واقعياً، ويعكس التوترات النفسية والاجتماعية، أما من حيث البلاغة التصويرية فهي حاضرة بقوة، بنمط ساخر يحمل دلالات رمزية عميقة.
رؤية الرواية
تبرز الرواية الواقع السوري زمن النظام البائد، حيث يسود الخوف والولاء والتبعية، وتتدهور الأوضاع الإنسانية.
في الرواية دور الشخصيات الثانوية، وشخصية المختار تقوم بإعادة إنتاج نفسها عبر الخوف والولاء والتبعية.
تعكس الرواية النضال والحرية، حيث تتحرك الشخصيات بحثاً عن النور، وتشعل الفتيل في مواجهة الظلم والاضطهاد.
تركز الرواية على دور الشهداء في النضال والحرية، حيث يقدم الكاتب صورة عن الشهيد الذي يرفع يده بالنصر ويسقط واقفاً وحياً، كما تعكس الأمل في النصر والحرية، إذ يقدم الكاتب صورة عن النصر المحمول على الأكتاف كعرس لشهيد.
نبذة عن الرواية والكاتب
رواية مخاتير المحصورة صادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر.
والكاتب نور الدين الإسماعيل شاعر وروائي سوري، خريج كلية الآداب جامعة حلب قسم اللغة العربية، يكتب الشعر والقصة القصيرة الساخرة والمسلسلات الإذاعية الساخرة، كما كتب سيناريو فيلم قصير “المارد” قام بأداء الأدوار فيه مجموعة من الشباب الموهوبين في الداخل السوري.
يجسد في كتاباته تجارب المجتمع السوري في ظل التحولات التاريخية والسياسية، ومعاناة الشعب السوري وآماله إلى غدٍ أفضل، مستخدماً اللغة والصورة الأدبية لتناول أبعاد الحياة اليومية والصراع بين استبداد السلطة والإنسانية.