دمشق-سانا
أكد وزير النقل السوري يعرب بدر، أن فريقاً متعدد الاختصاصات يعمل منذ أشهر عدّة على إعداد مشروع قانون سير جديد يتضمن تعديل قانون السير والمركبات النافذ، بمشاركة وزارات النقل والداخلية والمالية والعدل، وبالتشاور في مراحل مختلفة مع عدد من الجهات والخبراء المعنيين، مشيراً إلى إنجاز أكثر من 95 بالمئة من التعديلات المطلوبة، والعمل على استكمال النقاط المتبقية تمهيداً لإحالته إلى مجلس الشعب.
وأوضح الوزير بدر في مقابلة مع سانا اليوم الأحد، أن القانون النافذ يعود إلى المرسوم التشريعي الصادر عام 2008، والذي عدّل القانون رقم 31 لعام 2004، لافتاً إلى أن الحاجة إلى تعديله تأتي لمواكبة التطورات التي طرأت على عالم المركبات والنقل، ومعالجة عدد من الجوانب التي لم تكن موجودة عند وضع القانون الحالي.
مواكبة تطورات المركبات والنقل
وبيّن الوزير بدر أن مشروع قانون السير الجديد ينظم مجموعة واسعة من المجالات، بدءاً من تصنيف المركبات إلى فئات، وقواعد تسجيلها في مديريات النقل وفق نوعها وفئتها واستخدامها الخاص أو العام، مروراً بتأهيل السائقين من خلال مدارس تعليم القيادة الخاضعة لإشراف وزارة النقل، وصولاً إلى الفحص الفني للمركبات للتأكد من سلامتها، إضافة إلى تنظيم الطرق وخصائصها والسرعات المحددة عليها.
وأشار إلى أن وزارة النقل من خلال المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، تتولى إدارة شبكة الطرق المركزية في سوريا، والتي تعد عموماً من الطرق ذات المواصفات الأعلى ضمن شبكة الطرق السورية، وبالتالي فإن الوزارة معنية بشكل مباشر بتطوير التشريعات الناظمة لهذه المجالات.
ولفت الوزير إلى أن إعداد المشروع جرى بالتنسيق مع وزارة الداخلية إلى جانب وزارة المالية فيما يتعلق برسوم تسجيل المركبات ورخص السير ومدارس تعليم القيادة وغيرها، ومع وزارة العدل فيما يخص سلوك السائقين والتعليمات والقواعد الناظمة، إضافة إلى المخالفات والغرامات والعقوبات.
وأوضح أن من التطورات التي استدعت تحديث القانون ظهور مركبات مزودة بتجهيزات وأنظمة إلكترونية لم تكن موجودة عند وضع القانون الحالي، إلى جانب تطبيقات إلكترونية لتأجير المركبات مع سائق أو من دونه، فضلاً عن التطور المتسارع في صناعة المركبات عالمياً، وصولاً إلى المركبات ذاتية القيادة التي قد تظهر مستقبلاً، ما يستدعي وجود نصوص وتعليمات قادرة على التعامل مع هذه الأنماط الجديدة.
رخصة تأهيل إضافي لمهن القيادة
وفيما يتعلق بالسائقين، أوضح الوزير بدر أن مشروع القانون الجديد يلزم السائق امتلاك رخصة قيادة تتناسب مع فئة المركبة التي يقودها، مبيناً أن التصنيف التقليدي لرخص القيادة، وفق ما هو متعارف عليه دولياً، يتضمن رخصة لقيادة الدراجات النارية، وأخرى لقيادة سيارات الركوب أو مركبات النقل التي تقل حمولتها عن 3.5 أطنان، إضافة إلى الرخص العامة لقيادة مركبات النقل وحافلات نقل الركاب، وفق اختلاف الأحجام والأوزان.
وبيّن أن المشروع الجديد يقدم مفهوماً إضافياً يتمثل بعدم كفاية الرخصة العامة وحدها لقيادة بعض المركبات أو ممارسة بعض المهن، فقيادة قاطرة ومقطورة تنقل مواد خطرة، أو حافلة لنقل الركاب، أو حافلة مخصصة لنقل الطلاب، تحتاج إلى تأهيل وتدريب إضافي خاص بطبيعة العمل، إلى جانب رخصة القيادة الأساسية.
وأشار إلى أن القانون القديم لم يكن يتضمن هذا النوع من الرخص والتأهيلات، بينما يتيح المشروع الجديد الحصول على رخصة تأهيل إضافي لمهن محددة، منها نقل طلاب المدارس، وقيادة حافلات نقل الركاب بين المحافظات، ونقل المواد الخطرة، وصهاريج المحروقات والمنتجات النفطية، والمواد القابلة للاشتعال أو الانفجار.
وأكد أن المشروع يتضمن فترة لتسوية أوضاع الشركات والأشخاص العاملين حالياً في هذه المجالات، ومنحهم الوقت اللازم للحصول على التأهيل أو الرخص الجديدة، على أن تكون بعد انتهاء هذه الفترة ممنوعة ممارسة هذه الأعمال من دون استيفاء المتطلبات المحددة.
عقوبات رادعة للمخالفين
وأشار وزير النقل إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لتعديل القانون يتعلق بالعقوبات والغرامات المفروضة على المخالفين، إذ إن قيمة الغرامات المحددة في القانون الحالي تعود إلى عام 2008، ولم تعد تشكل رادعاً حقيقياً للسائقين في ظل تغير قيمة العملة والظروف الاقتصادية.
وأوضح الوزير بدر أن المشروع أبقى على نوعين رئيسيين من العقوبات الرادعة، هما الغرامات المالية والحبس، مبيناً أن القانون الحالي يتيح في المخالفات الخطيرة التي تشكل خطراً كبيراً على مستخدمي الطريق الحكم بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر.
ولفت إلى أن الحبس سيبقى قائماً في المخالفات الجسيمة، ومنها تجاوز الإشارة الحمراء وتجاوز السرعة المحددة بأكثر من 40 كيلومتراً في الساعة، لأن بعض المخالفات لا تكفي الغرامة المالية وحدها لردع مرتكبيها.
وبيّن الوزير بدر أن الغرامات المالية خضعت للدراسة والزيادة بما يتناسب مع قيمة الليرة السورية الجديدة، بحيث تصل الغرامة القصوى في المشروع إلى 60 ألف ليرة جديدة، أي ما يعادل نحو 6 ملايين ليرة بالعملة القديمة، ونحو 500 دولار أمريكي للمخالفات الكبرى، في حين تنخفض الغرامات في المخالفات الأقل خطورة إلى ما بين 5 و10 آلاف ليرة جديدة.
وأكد أن الهدف من رفع قيمة الغرامات ليس تحصيل الأموال، وإنما ردع السلوكيات الخاطئة وضمان الالتزام بقواعد المرور، وتحقيق السلامة على الطرق، موضحاً أن المواطن الذي يعرف القواعد ويلتزم بها ويغير سلوكه طوعاً لن يكون عرضة لدفع الغرامات.
دعم فني من خبرات سورية في السويد
وبيّن وزير النقل أن فريقاً من الخبراء الفنيين في وزارات النقل والداخلية والمالية والعدل، أعد النسخة الجديدة من المشروع، لافتاً إلى الاستفادة خلال مرحلة الإعداد من الدعم الفني لجمعية سورية ناشطة في مجال السلامة المرورية في السويد، التي تعدّ من الدول المتقدمة جداً في هذا المجال.
وأوضح أن الجمعية اطلعت على مشروع القانون وقدمت العديد من الملاحظات والرؤى، وتم الأخذ بعدد منها وإجراء التعديلات اللازمة، في حين تم تأجيل ملاحظات أخرى بسبب اختلاف الظروف الحالية في سوريا عن الظروف الموجودة في السويد، سواء لناحية تأهيل السائقين أو طبيعة المركبات والطرق.
وأشار إلى أن تحسين الطرق يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه، وأن القوانين لا توضع لتبقى ثابتة من دون تعديل، وإنما يجب أن تتناسب مع الظروف القائمة في كل مرحلة، وأن تكون مرنة بما يسمح باستيعاب التغيرات المستقبلية.
ولفت إلى أن بعض مواد المشروع صيغت بحيث تتيح إصدار أنظمة أو تعليمات تنفيذية لاحقة من الوزير المختص، بالتنسيق مع وزيري الداخلية أو المالية بحسب الموضوع، بما يسمح بالتعامل مع التطورات المستقبلية من دون الحاجة إلى تعديل القانون في كل مرة.
المشروع في مراحله الحكومية الأخيرة
وأكد بدر أن أكثر من 95 بالمئة من مشروع تعديل قانون السير حظي بالتوافق بين الجهات المعنية، بينما بقيت نسبة محدودة من النقاط تحتاج إلى مراجعة على المستوى الوزاري.
وأوضح أن وزارة النقل ستقدم النسخة النهائية إلى الوزارات المعنية، وقد تعقد جلسة وزارية أخيرة برعاية الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لحسم أي نقاط متبقية، قبل إحالة المشروع إلى مجلس الشعب وإدخاله ضمن برنامج الإصلاح التشريعي.
وأشار إلى أن الحكومة قادرة على إنجاز الصيغة النهائية للمشروع على المستوى الحكومي خلال النصف الأول من تشرين الأول، وبحد أقصى نهاية الشهر، على أن ينتقل بعد ذلك إلى المسار التشريعي في مجلس الشعب.
ثلاثة أشهر للتوعية والتدريب
كما أوضح الوزير بدر أن المشروع الجديد طرح تخصيص فترة انتقالية تمتد لثلاثة أشهر بين صدور القانون رسمياً ودخوله حيز التنفيذ، تتيح تكثيف حملات التوعية بالسلامة المرورية التي تنفذها وزارة النقل والجهات المعنية، وشرح أهداف التعديلات وآلية تطبيقها، إضافة إلى تدريب عناصر الضابطة العدلية والشرطة المختصة بأمن الطرق داخل المدن وخارجها على تطبيق أحكام القانون الجديد.
قانون السير جزء من منظومة السلامة المرورية
وحول حوادث المرور، لفت إلى أهمية تعزيز التنسيق مع وزارات الصحة والطوارئ وإدارة الكوارث والداخلية، وتوحيد البيانات المتعلقة بالحوادث ونتائجها من إصابات ووفيات، لتحسين السلامة المرورية ومنع وقوع الحوادث، إلى جانب الوصول إلى قاعدة بيانات أكثر دقة يمكن الاستناد إليها في وضع السياسات المعنية في هذا المجال.
وشدد الوزير على أن قانون السير وحده لا يمكن أن يحقق تحسيناً شاملاً في السلامة المرورية، وإنما يمثل أداة ضمن منظومة متكاملة، تتطلب تحسين تدريب السائقين في مدارس تعليم القيادة، ورفع مستوى الفحص الفني للمركبات والتأكد من صلاحيتها، إلى جانب معالجة عيوب الطرق وتحسين تخطيطها ودهانها ووضع الإشارات المرورية اللازمة وضمان وضوحها ليلاً ونهاراً.
خفض الوفيات 50 بالمئة بحلول 2030
وأشار الوزير بدر إلى أن سوريا تعمل في إطار هدف عقد العمل الثاني من أجل السلامة على الطرق الذي أطلقته الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يستهدف خفض الوفيات الناجمة عن حوادث المرور بنسبة 50 بالمئة بحلول عام 2030 مقارنة بالمستوى المسجل عام 2010.
وبيّن أنه للوصول إلى هذا الهدف، ينبغي بدء العمل من عام 2026 على تحقيق المتطلبات المحددة للهدف، بحيث تسعى سوريا إلى خفض الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق بنسبة لا تقل عن 10 بالمئة خلال عام 2027 مقارنة بالرقم النهائي المعتمد لعام 2026، وصولاً بصورة تدريجية إلى خفض إجمالي الوفيات بنسبة 50 بالمئة بحلول عام 2030.
وأكد الوزير أن تحقيق هذه الغاية يحتاج إلى عمل متكامل ومستمر في التشريع، وتأهيل السائقين، والفحص الفني للمركبات، وتحسين الطرق، وضبط المخالفات، ورفع مستوى التوعية، وتطوير آليات تسجيل وتحليل الحوادث، بما يسهم في حماية الأرواح والحد من الحوادث ونتائجها من وفيات وإصابات خطيرة.
1.2 مليون وفاة سنوياً حول العالم
ولفت وزير النقل إلى أن حوادث المرور تمثل مشكلة عالمية، إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى نحو 1.2 مليون وفاة سنوياً نتيجة حوادث الطرق، إضافة إلى ما بين 30 و50 مليون إصابة جسدية خطيرة، مبيناً أن معدلات الوفيات تختلف بشكل كبير بين الدول.
وأوضح الوزير بدر أن الدول المتقدمة مرت بما يمكن وصفه بـ”منحنى التعلم” في مجال السلامة المرورية، إذ استمرت أعداد الوفيات لديها بالارتفاع حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي تقريباً، قبل أن تبدأ بالانخفاض تدريجياً نتيجة العمل المنسق بين مختلف الجهات، معتبراً ذلك جزءاً من منحنى تعلم مجتمعي عام في مجال السلامة على الطرق.