مسقط-سانا
يمثل المشروع الوطني لفحص اعتلال شبكية العين لمرضى السكري باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان خطوة في مسار تطوير منظومة الرعاية الصحية والتحول الرقمي، من خلال توظيف التقنيات الحديثة للكشف المبكر عن مضاعفات مرض السكري وتحسين دقة التشخيص وتوفير الوقت والتكاليف.
مشروع وطني للكشف المبكر
وذكرت وكالة الأنباء العمانية في تقرير لها اليوم الإثنين بعنوان “مشروعٌ وطنيٌّ لفحص اعتلال شبكية العين بالذكاء الاصطناعي.. يرسّخ التحوّل الرقمي الصحي في سلطنة عُمان”، أن المشروع يهدف إلى إنشاء إطار وطني للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري وإدارته، والحد من فقدان البصر والعمى الناجمين عنه، وتحسين وصول مرضى السكري إلى خدمات رعاية العيون، ويستهدف جميع المصابين بالسكري من النوعين الأول والثاني، على أن تحدد وتيرة الفحص وفقاً لشدة اعتلال الشبكية.
وتعد سلطنة عُمان، ثالث دولة على مستوى العالم تنفذ هذا النوع من المشاريع، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن نحو 15 بالمئة من السكان البالغين في السلطنة يعانون من مرض السكري، ما يجعل شريحة واسعة منهم معرضة لخطر الإصابة باعتلال الشبكية السكري، الذي يعد من المضاعفات الخطيرة للمرض وقد يؤدي إلى فقدان البصر.
أكثر من 43 ألف مستفيد
وقال مدير المركز الوطني للصحة الافتراضية بوزارة الصحة العُمانية أنس بن ناصر الكيمياني لوكالة الأنباء العُمانية: إن المشروع حقق منذ إطلاقه نتائج نوعية على المستويات الصحية والتشغيلية والاقتصادية، وأسهم في تعزيز كفاءة خدمات الرعاية الصحية المقدمة لمرضى السكري.
وأوضح الكيمياني أن عدد المستفيدين من الخدمة تجاوز 43 ألف مريض، بينما يستهدف البرنامج الوصول إلى تغطية شاملة بنسبة 100 بالمئة لجميع مرضى السكري البالغين المسجلين في سلطنة عُمان من المصابين بالنوعين الأول والثاني.
وأشار إلى أن النظام نجح في تحليل أكثر من 43 ألف صورة لشبكية العين، وأظهرت النتائج أن أكثر من 12 ألف مريض، أي نحو 30 بالمئة من إجمالي المستفيدين، يحتاجون إلى فحص سريري متخصص، ما أتاح التدخل العلاجي المبكر وأسهم في الحد من تدهور البصر والمضاعفات المرتبطة باعتلال الشبكية السكري.
دقة تشخيصية وتقليص قوائم الانتظار
وبيّن الكيمياني أن النظام حقق دقة بلغت 91.3 بالمئة، بينما وصلت حساسيته إلى 85 بالمئة، ما عزز ثقة الكوادر الطبية بقدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على فرز الحالات بدقة عالية، بوصفها أداة مساندة لاختصاصيي العيون في عملية التشخيص واتخاذ القرار الطبي.
وأكد أن المشروع أسهم في خفض قوائم الانتظار في عيادات العيون التخصصية بنسبة 87 بالمئة، وتقليص مدة انتظار المرضى للحصول على مواعيد الفحص والعلاج من 62 يوماً إلى 8 أيام خلال الأشهر السبعة الأولى من تطبيق المشروع.
وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي قلل زمن التقييم التشخيصي من مدة تتراوح بين ساعة وساعة ونصف، باستخدام قطرات توسيع حدقة العين، إلى نحو 15 دقيقة فقط، ما أتاح لاختصاصيي العيون التفرغ للحالات المعقدة والتدخلات العلاجية والجراحية بدلاً من الفحوصات الروتينية الأولية.
خفض التكاليف وتوسيع نطاق الخدمة
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح الكيمياني أن المشروع حقق وفراً مالياً سنوياً، مع خفض التكاليف التشغيلية بنسبة 43.2 بالمئة مقارنة بالإجراءات المتبعة قبل تطبيق البرنامج، إضافة إلى الإسهام في تجنب التكاليف المرتفعة المرتبطة بعلاج المضاعفات المتقدمة والعمليات الجراحية الناتجة عن تأخر اكتشاف المرض.
ويُنفذ المشروع حالياً في 25 مؤسسة صحية موزعة على مختلف محافظات سلطنة عُمان ضمن المرحلة الأولى، مع خطة للتوسع لتشمل مؤسسات ومراكز صحية إضافية، ولا سيما في المناطق البعيدة، بما يعزز عدالة الوصول إلى خدمات الفحص المبكر.
وسجلت ولايات السيب وبوشر وصحار وعبري أعلى معدلات الاستفادة من الخدمة، وفقاً للمسؤول العُماني.
نحو فحوص جديدة بالذكاء الاصطناعي
وتتضمن خارطة الطريق المستقبلية للمشروع إدراج خدمات فحص أمراض عيون أخرى، وفي مقدمتها الجلوكوما “المياه الزرقاء” والقرنية المخروطية، إلى جانب التوسع في تطبيقات الطب الافتراضي وإنشاء عيادات متابعة متخصصة، وربط أجهزة إضافية لتقليل العبء على العيادات التخصصية.
كما تشمل الخطط إنشاء عيادات متابعة يديرها اختصاصيو بصريات مدربون ومدعومون بتقنيات حديثة وأدوات ذكاء اصطناعي، إلى جانب تطوير محرك ذكاء اصطناعي محلي مدرب على صور من سلطنة عُمان.
تحديات تقنية وخطط للتوسع
وأشار الكيمياني إلى أن المشروع واجه خلال مراحل التنفيذ عدداً من التحديات التقنية، أبرزها ما يتعلق بربط الأنظمة التكاملية، موضحاً أنه جرى تجاوزها من خلال آليات واضحة للتصعيد الفني، والتنسيق المباشر مع فرق الدعم الفني، واعتماد حلول بديلة ضمنت استمرارية الخدمة دون التأثير في جودة الأداء.
وجرى تزويد 25 مؤسسة صحية بأجهزة تصوير شبكية العين، وزعت جغرافياً لتسهيل وصول المرضى إلى خدمة الفحص المبكر، بينما يسعى القائمون على المشروع إلى التوسع ليشمل مجمعات صحية ومراكز إضافية، وإضافة برامج فحص جديدة وتعزيز مشروعات الطب الافتراضي.
ويعكس المشروع توجه وزارة الصحة العُمانية نحو توظيف الحلول المبتكرة والتقنيات الحديثة في تطوير الخدمات الصحية، والحد من مضاعفات الأمراض المزمنة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الصحية، وتعزيز استدامة الخدمات، مع دعم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة للكوادر الطبية في الكشف المبكر واتخاذ القرار الطبي.