عواصم-سانا
لطالما شكلت الطبيعة مصدراً للإلهام في ابتكارات الإنسان، إذ يدرس العلماء قدرات الحيوانات الفريدة في الحركة والملاحة والاستشعار، بهدف تطوير تقنيات جديدة تحاكي هذه القدرات وتستخدم في مجالات متعددة، من الروبوتات والطيران إلى الطب والذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر هذه المحاولات على تقليد شكل الحيوانات فقط، بل تمتد إلى فهم الآليات التي تمكنها من التكيف مع بيئاتها، مثل قدرة الطيور على التحليق لمسافات طويلة، أو الحشرات على تحديد مواقعها بدقة، أو الخفافيش على التنقل في الظلام، لتحويل هذه الظواهر الطبيعية إلى حلول تقنية مبتكرة.
من أجنحة الطيور إلى روبوتات أكثر كفاءة
وفقاً لموقع ساينس ديلي (ScienceDaily) العلمي المتخصص في نشر الأخبار العلمية والأبحاث، يدرس الباحثون في مجال الهندسة المستوحاة من الطبيعة (Biomimicry) طريقة حركة الطيور والخفافيش لتطوير مركبات جوية أكثر كفاءة، إذ تساعد دراسة شكل الأجنحة وآليات التحكم بها في تصميم طائرات وروبوتات جوية قادرة على المناورة واستهلاك طاقة أقل.
ويشير مختصون في مجال الروبوتات والميكانيكا الحيوية إلى أن الطيور لا تعتمد على قوة الدفع فقط أثناء الطيران، بل تستخدم تغييرات دقيقة في شكل الأجنحة والذيل لتحقيق التوازن والتحكم، وهي مبادئ يحاول المهندسون تطبيقها في الطائرات الصغيرة والطائرات المسيّرة المستخدمة في الاستكشاف والبحث والإنقاذ.
حواس الحيوانات تلهم أجهزة استشعار متطورة
ذكرت مجلة Nature العلمية المتخصصة في نشر الأبحاث العلمية أن دراسة قدرات بعض الحيوانات على الاستشعار، مثل الخفافيش التي تستخدم تحديد الموقع بالصدى، والأسماك التي تستشعر التغيرات في حركة المياه، ساعدت العلماء في تطوير تقنيات استشعار متقدمة تستخدم في الروبوتات والأنظمة الذكية.
وتعمل فرق بحثية في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية على تطوير أجهزة تحاكي هذه القدرات، مثل مستشعرات قادرة على اكتشاف الأجسام في البيئات المعقدة، أو أنظمة تساعد الروبوتات على التحرك في الأماكن التي يصعب على الإنسان الوصول إليها، مستفيدة من آليات طبيعية تطورت عبر ملايين السنين.
من النمل والنحل إلى أنظمة الملاحة الذكية
أظهرت أبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستوحاة من الطبيعة أن سلوك الحشرات الاجتماعية، ولا سيما النمل، ألهم تطوير خوارزميات حاسوبية تعرف باسم “خوارزميات مستعمرة النمل”، تستخدم في تحسين المسارات وحل مشكلات الملاحة وتنظيم حركة الروبوتات، ومن أبرز هذه الأبحاث دراسة نشرت في دورية IEEE Transactions on Systems, Man, and Cybernetics العلمية أنجزها باحثون من جامعة بروكسل الحرة.
ويتميز النمل بقدرته على إيجاد أقصر الطرق بين مصادر الغذاء والمستعمرة عبر استخدام إشارات كيميائية، وهي آلية ألهمت تطوير ما يعرف بـ”خوارزميات مستعمرة النمل” التي تستخدم في مجالات مثل تخطيط المسارات، وإدارة شبكات النقل، وتحسين أداء الأنظمة الحاسوبية.
الطبيعة مصدر مستمر للابتكار الطبي
لم يقتصر تأثير تقليد قدرات الحيوانات على التكنولوجيا والهندسة، بل امتد إلى المجال الطبي، حيث يدرس العلماء خصائص بعض الكائنات لتطوير مواد وأجهزة جديدة، مثل تقليد جلد سمك القرش لتصميم أسطح مقاومة للبكتيريا، أو دراسة حركة الأخطبوط لتطوير روبوتات مرنة تستخدم في العمليات الدقيقة.
ووفقاً لأبحاث نشرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) المتخصص في العلوم والهندسة، فإن دراسة آليات الحركة والتكيف لدى الكائنات الحية تسهم في تطوير تقنيات مستوحاة من الطبيعة، تشمل الروبوتات المرنة والأجهزة الطبية المتقدمة، بما فيها الأطراف الاصطناعية والأنظمة القابلة للزرع داخل الجسم.
الذكاء الاصطناعي يعزز الاستفادة من أسرار الطبيعة
يرى باحثون في مجال الذكاء الاصطناعي أن التقنيات الحديثة أصبحت تتيح دراسة سلوك الحيوانات وتحليل حركتها بصورة أكثر دقة، ما يفتح المجال أمام نماذج جديدة تجمع بين علوم الأحياء والهندسة والحوسبة.
كما تسهم تقنيات التعلم الآلي في تحليل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بسلوك الحيوانات، واستخلاص أنماط يمكن تحويلها إلى تطبيقات عملية في الروبوتات والأنظمة الذاتية القيادة والتقنيات البيئية.
وتؤكد التجارب العلمية أن الطبيعة لا تزال تمثل مختبراً مفتوحاً للإلهام، إذ تساعد دراسة قدرات الحيوانات في تطوير تقنيات أكثر ذكاءً وكفاءة، وتثبت أن الحلول التي طورتها الكائنات الحية عبر ملايين السنين قد تحمل مفاتيح ابتكارات المستقبل.