عواصم-سانا
في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت عاملاً رئيسياً في تشكيل أنماط الحياة اليومية للمراهقين، ومؤثراً مباشراً في رؤيتهم لذواتهم ومحيطهم، الأمر الذي دفع منظمات دولية وخبراء إلى دق ناقوس الخطر بشأن تداعياتها على الصحة النفسية وجودة الحياة.
تراجع مؤشرات السعادة عالمياً
وفي هذا السياق، أظهر تقرير السعادة العالمي لعام 2026، الصادر عن مركز أبحاث الرفاه في جامعة أكسفورد بالتعاون مع شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة ومؤسسة “غالوب”، وجود ارتباط إحصائي واضح بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وتراجع مستويات السعادة لدى المراهقين.
وبيّن التقرير، وفق ما نُشر عبر موقع جامعة أكسفورد في آذار 2026، أن ارتفاع عدد ساعات الاستخدام اليومي يرتبط بانخفاض الرضا عن الحياة وازدياد معدلات المشكلات النفسية، ما يعكس تحولاً مقلقاً في أنماط الرفاه لدى الأجيال الشابة.
الخوارزميات وثقافة المقارنة
ولفت التقرير إلى أن تأثير هذه المنصات لا يرتبط بمدة الاستخدام فحسب، بل بطبيعته أيضاً، إذ تسهم الخوارزميات في تعزيز التعرض المستمر لمحتوى مثالي أو انتقائي، ما يدفع المراهقين إلى مقارنة حياتهم بغيرهم بصورة متواصلة، الأمر الذي يؤدي إلى تنامي مشاعر العزلة وعدم الرضا، إلى جانب تراجع جودة النوم والنشاط البدني.
علاقة مباشرة بالصحة النفسية
وفي السياق ذاته، بيّنت دراسة حديثة بعنوان “Social Media Use and Mental Health Among Adolescents” صادرة عن المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، أن المراهقين الذين يقضون أكثر من خمس ساعات يومياً على وسائل التواصل هم أكثر عرضة للإصابة بأعراض القلق والاكتئاب مقارنة بغيرهم، وذلك بحسب ما نشره الموقع الرسمي للمعهد.
أنماط الاستخدام.. عامل حاسم
كما أكدت الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) في توصياتها الصادرة في أيار 2023، أن نمط استخدام وسائل التواصل يلعب دوراً محورياً في تحديد آثارها النفسية، حيث يرتبط التصفح السلبي والمقارنة المستمرة بنتائج سلبية، في حين يسهم الاستخدام النشط القائم على التفاعل الاجتماعي الحقيقي في الحد من هذه التأثيرات، وفق ما ورد في إرشاداتها المنشورة.
الفتيات الأكثر تأثراً
من جانب آخر، أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف– UNICEF) إلى أن المراهقات أكثر عرضة للتأثر بوسائل التواصل، وخاصة فيما يتعلق بصورة الجسد وتقدير الذات، حيث تؤدي المقارنات الاجتماعية المتكررة إلى زيادة مستويات القلق وعدم الرضا، وذلك بحسب ما ورد في تقارير المنظمة عبر موقعها الرسمي.
ثقافة المؤثرين ومعايير غير واقعية
وفي الإطار ذاته، ذكر تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن انتشار ثقافة “المؤثرين” يسهم في تكريس معايير غير واقعية للجمال وأنماط الحياة، ما يدفع المراهقين إلى مقارنة أنفسهم بصورة مستمرة، وينعكس سلباً على تقديرهم لذواتهم، وفق ما نشرته المنظمة عبر موقعها حول الرفاه الرقمي.
التنمر الإلكتروني ومخاطر متزايدة
كما حذّرت منظمة الصحة العالمية (WHO) من أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يزيد من احتمالات التعرض للتنمر الإلكتروني، والذي يرتبط بدوره بارتفاع مستويات التوتر والاكتئاب لدى المراهقين، بحسب تقارير المنظمة المتعلقة بالصحة النفسية للشباب.
تحديات أمام الأسرة وصنّاع القرار
بدوره أشار البنك الدولي إلى أن التأثير المتزايد لهذه المنصات على جيل كامل يفرض تحديات جديدة على الأسر والمؤسسات التعليمية وصنّاع السياسات، ما يستدعي تبني استراتيجيات متوازنة تعزز الاستخدام الآمن وتدعم الصحة النفسية، وفق ما ورد على موقعه الرسمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت كونها أدوات ترفيه، لتصبح عاملاً مؤثراً بعمق في تشكيل سعادة المراهقين وصحتهم النفسية، ما يفرض ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي، وتوجيه الاستخدام نحو أنماط أكثر توازناً، بما يحقق الاستفادة من مزاياها ويحد من آثارها السلبية على الأجيال الصاعدة.