دمشق-سانا
تتجه منظومة الرصد الجوي في سوريا نحو مرحلة جديدة من إعادة البناء والتطوير، بعد سنوات شهدت تراجعاً كبيراً في عدد محطات الرصد وخروج معظمها عن الخدمة، مع خطة لرفع عدد المحطات العاملة من 48 محطة حالياً إلى 500 محطة خلال ثلاثة أعوام، بالتوازي مع تحديث البنية التقنية وتأهيل الكوادر، وتعزيز التعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية المتخصصة.
وبيّن مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ عبد الكريم المحمد في تصريح لـ سانا، أن سوريا كانت تمتلك خلال العقود الماضية شبكة واسعة من محطات الرصد الجوي تجاوز عددها 550 محطة، إلا أن معظمها خرج عن الخدمة خلال العقدين الماضيين، ليصل عدد المحطات العاملة قبل التحرير إلى نحو 15 محطة فقط، كان بعضها يعمل بصورة جزئية.

وأوضح المحمد أن شبكة الرصد شهدت بعد تحرير سوريا توسعاً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد المحطات العاملة إلى 48 محطة موزعة في معظم المناطق السورية، بينها 20 محطة آلية بالكامل، مشيراً إلى أن خطة العمل تستهدف الوصول إلى 500 محطة خلال ثلاثة أعوام.
وبيّن أن زيادة عدد المحطات وانتشارها الجغرافي يسهمان في رفع كفاءة قياس العناصر والمتغيرات الجوية، وتوفير بيانات أكثر شمولاً ودقة، الأمر الذي ينعكس على النماذج العددية العالمية التي تعتمد على بيانات محطات الرصد كمدخلات أساسية لإنتاج الخرائط والتنبؤات الجوية.
إعادة بناء الشبكة وتطوير الكوادر
وأشار المحمد إلى أن إعادة بناء شبكة بهذا الحجم تتطلب إمكانات فنية ولوجستية كبيرة، في ظل ارتفاع تكلفة المحطات الآلية، وخاصة المحطات السينوبتيكية التي تقيس مختلف العناصر الجوية، إلى جانب الحاجة إلى كوادر فنية متخصصة ومدربة على تشغيل المحطات وصيانتها ومعالجة البيانات وتحليلها.
وأضاف أن المركز يعمل حالياً على تطوير البنية التحتية والتقنية، وتحديث أساليب الرصد والتحليل وربطها بالتقنيات الحديثة، إضافة إلى رفده بكوادر جديدة، ورفع كفاءة الكوادر الموجودة، والاستثمار في بناء قدرات العاملين والباحثين، وتنظيم برامج تدريبية لمواكبة أحدث المنهجيات العالمية في علوم الأرصاد والمناخ.
تعاون دولي ومنظومات تقنية حديثة
ولفت المحمد إلى أن من أبرز التطورات التقنية التي أنجزت خلال الفترة الماضية تفعيل منصة ECMWF ecCharts بالتعاون مع المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، والتي توفر مجموعة واسعة من الخرائط الجوية وأدوات التحليل، بما فيها أدوات التحليل العمودي للغلاف الجوي.
وأوضح أن أهمية تطوير تقنيات الرصد والتحليل والإنذار المبكر تتزايد مع ارتفاع مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة والتغير المناخي، إذ تشكل منظومات الإنذار المبكر إحدى الأدوات الأساسية لحماية الأرواح والممتلكات ودعم اتخاذ القرار.
بيانات تدعم القطاعات الحيوية
وأشار المحمد إلى أن المركز يقدم معلومات ونصائح مرتبطة بالأحوال الجوية للأنشطة السياحية، إضافة إلى تحذيرات من بعض الحالات الجوية التي قد يكون لها تأثير على القطاع الصحي وغيره من القطاعات الخدمية.
وذكر أنه في بعض الحالات الجوية المهمة، وبالتعاون مع دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، يتم إيصال التحذيرات عبر رسائل نصية SMS إلى المناطق التي يشملها التحذير، بالسرعة المطلوبة للجهات والأشخاص الموجودين في المناطق المتأثرة.
ولفت إلى أن المركز يقدم كذلك نشرات ملاحية جوية وبحرية، ويتعاون مع الهيئة العامة للاستشعار عن بعد، ولا سيما ضمن منصة الغابات ومراقبة الحرائق FIRMO التابعة للهيئة، والتي تنتج خرائط تحذيرية مبكرة لأماكن انتشار الحرائق المحتملة، بما يتيح للجهات المعنية رفع درجة الاستعداد والتخطيط المسبق.
الأرشيف الوطني للمناخ
وإلى جانب خدمات الرصد والتنبؤ، يقدم المركز معلومات مناخية للمؤسسات الحكومية والخاصة والطلاب الجامعيين والباحثين لأغراض علمية وبحثية، فيما يشكل الأرشيف الوطني المناخي أحد أهم مصادر البيانات المناخية في سوريا، وفق المحمد.
وبيّن أن الأرشيف بمثابة “البنك الوطني للمناخ”، ولا يقتصر دوره على حفظ البيانات، وإنما يشمل تدقيقها ومعايرتها وفق المعايير المعتمدة من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وأرشفتها بطريقة علمية.
حضور عربي متجدد
وفي سياق تعزيز حضور سوريا في مجال الأرصاد الجوية، أشار المحمد إلى فوز سوريا برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية خلال أعمال الدورة الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية، التي عقدت في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة في 5 أيلول الجاري.
واعتبر أن تولي سوريا رئاسة اللجنة يمثل حضوراً إقليمياً مهماً للكوادر الفنية السورية، ويؤكد قدرة المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ على أداء دور محوري في منظومة العمل العربي المشترك، ولا سيما في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغير المناخي والأمنين الغذائي والمائي في المنطقة العربية.
وأوضح أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام بناء شراكات أوسع وتبادل الخبرات والتجارب بين مرافق الأرصاد الجوية العربية، وتعزيز التعاون في مجالات الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر.
بناء منظومة متكاملة وحديثة
وأكد المحمد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استعادة البنية الأساسية إلى بناء منظومة أرصاد حديثة ومتكاملة لإدارة مخاطر الطقس والمناخ، من خلال التعاون مع مختلف الجهات الحكومية، وخاصة الجهات المعنية بالطوارئ والزراعة والطيران والنقل والصحة.
ويعد المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ الجهة المسؤولة عن رصد العناصر الجوية وإصدار النشرات والتقارير المناخية والتحذيرات المتعلقة بالحالات الجوية المتطرفة، كما يمثل الجمهورية العربية السورية لدى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO.