دمشق-سانا
أكّد عدد من الخبراء القانونيين أن كشف مصير المفقودين والمختفين قسراً يمثل خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، مشدّدين على أن معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة إبان عهد النظام البائد تشكّلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا وذويهم.

وأوضحت أمينة سر نقابة المحامين المركزية أميمة محمود إدريس لـ سانا اليوم الإثنين، أن جريمة الاختفاء القسري لا تقتصر على كونها حرماناً غير مشروع من الحرية، بل تمثل انتهاكاً مركباً لعدد من الحقوق الأساسية، وتكتسب خطورة وخاصة عندما تمارس بصورة واسعة أو منهجية لما يترتب عليها من آثار قانونية وإنسانية مستمرة على الضحايا وذويهم.
وأوضحت أن توثيق حالات الاختفاء القسري وحفظ الأدلة والقرائن القانونية يشكّلان أساساً لأي مسار يهدف إلى تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، مؤكدةً أن ما يتحقق اليوم من تقدم في بعض الملفات لا ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية للمسار، وإنما بداية عملية لمسار وطني طويل وشاق يهدف إلى كشف مصير آلاف المفقودين، وتوثيق الحالات، وصون كرامة الضحايا، ودعم عائلاتهم، وربط الحقيقة بمسار العدالة والمساءلة.
وأشارت إدريس إلى أن كشف مصير المفقودين لا يمثل استحقاقاً إنسانياً فحسب، بل يشكل التزاماً قانونياً يرتبط بحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وبواجب التحقيق في الانتهاكات وتحديد المسؤوليات ومساءلة المتورطين فيها.
وأكدت أن نجاح هذا المسار يتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً يجمع بين التوثيق والتحقيق والمحاسبة وجبر الضرر، بما يرسخ سيادة القانون، ويمهد لتحقيق العدالة الانتقالية بصورة تضمن حقوق الضحايا وتمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
معرفة المصير حق أصيل للضحايا

بدوره، أكد عضو مجلس فرع نقابة المحامين في حمص، المحامي عمار عز الدين، أن الإعلان عن نتائج التحقيقات المتعلقة بوفاة أطفال الدكتور عبد الرحمن ياسين زوج الدكتورة رانيا العباسي، يشكل خطوة أساسية في مسار إحقاق الحق لذوي المفقودين، ويكرّس حقهم الأصيل في معرفة الحقيقة وتحديد مصير ذويهم، باعتباره حقاً لا يقبل التقييد وأحد المرتكزات الأساسية للعدالة الانتقالية.
وأوضح أن الإعلان الدستوري السوري الصادر في الـ13 من آذار لعام 2025 شدّد على أهمية المساءلة والحق في معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا والناجين، إلى جانب تكريم الشهداء، بما ينسجم مع المبادئ الأساسية للعدالة الانتقالية.
وبيّن المحامي عز الدين أن معرفة مصير المفقود وتسليم رفاته إلى ذويه، أو التحقق من وفاته ومنح أسرته وثيقة رسمية تثبت ذلك، تمثل مدخلاً ضرورياً لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا وعائلاتهم، مشيراً إلى أن نظام روما الأساسي يؤكد أن جريمة الاختفاء القسري تعد جريمة مستمرة لا تنتهي إلا بكشف مصير المختفي أو تحديد مكان وجوده أو العثور على رفاته وتسليمه إلى ذويه في حال الوفاة.
وأكد المحامي عز الدين أن الجريمة التي ذهبت ضحيتها عائلة الدكتورة رانيا العباسي على يد النظام البائد تندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة التي لا تسقط بالتقادم، لافتاً إلى أن المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 تعتبر ممارسة الاختفاء القسري على نحو واسع أو منهجي جريمة ضد الإنسانية تستوجب جميع الآثار القانونية المقررة في القانون الدولي.
وأوضح أن المعطيات التي كشفتها تحقيقات وزارة الداخلية بشأن وفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي بعد إخفائهم قسراً تشير إلى وقوع جريمة مركبة بدأت بالاختفاء القسري بوصفه جريمة ضد الإنسانية، ثم تلتها جريمة قتل خارج نطاق القانون، لافتاً إلى أن هذا التوصيف القانوني يفتح المجال أمام ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في سوريا إبان عهد النظام البائد، ومحاسبتهم وفق أحكام القانون الجنائي الدولي.
وأكد أن المساءلة الجنائية عن جميع الانتهاكات في سوريا لا يجب أن تقتصر على رأس النظام البائد، بل يجب أن تشمل كل المنظومة التي شاركت في ارتكابها أو سهّلتها، حيث إن دائرة المسؤولية تمتد إلى الأفرع الأمنية والعسكرية التي أصدرت أوامر الاعتقال والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، وإلى المسؤولين الذين وفّروا الغطاء لهذه الممارسات، إضافة إلى الجهات القضائية التي منحتها غطاءً قانونياً.
ولفت المحامي عز الدين إلى أهمية إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية يحدد هذه الجرائم، وفق معايير القانون الجنائي الدولي لأن ذلك من شأنه تخفيف عبء الإثبات والاعتماد على الأدلة والقرائن التي تثبت جرائم الاختفاء القسري وتدين المنظومة التي أدارت المعتقلات والسجون وعمليات تصفية المعارضين داخلها.
وأشار إلى أن معالجة هذه الجراح لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر وتعويض الضحايا وتوفير ضمانات عدم التكرار، بما يمهد لتحقيق المصالحة الوطنية وترسيخ السلم الأهلي.
الإطار الأنسب لمعالجة إرث الانتهاكات

بدورها، أكدت رئيسة مجلس إدارة منظمة “بلا قيود” الحقوقية الدولية الدكتورة فاتن رمضان، أن العدالة الانتقالية تمثل الإطار الأنسب لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، لأنها تستند إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا وجبر الضرر، بما يعزز سيادة القانون، ويكرّس مبادئ العدالة.
وأوضحت الدكتورة رمضان أن العدالة الانتقالية تعتمد على آليات المساءلة القضائية والمؤسسية لمعالجة الانتهاكات، وتوفّر مساراً متوازناً يراعي حقوق الضحايا ومتطلبات الاستقرار المجتمعي من خلال محاسبة مرتكبي الجرائم وضمان عدم تكرارها.
وبيّنت أن تطبيق العدالة الانتقالية يقوم على مجموعة من الآليات المتكاملة تبدأ بكشف مصير المفقودين وتحديد أماكن وجودهم أو العثور على رفاتهم، مروراً بتوثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات، وصولاً إلى ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم، وفق المعايير الوطنية والدولية.
وأضافت: إن هذه الآليات تشمل كذلك الاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا وأسرهم، وتقديم أشكال جبر الضرر والتعويض المناسبة، إلى جانب إصلاح المؤسسات المرتبطة بالانتهاكات بما يضمن عدم تكرارها مستقبلاً.
وأكدت الدكتورة رمضان أن ملف المفقودين والمختفين قسراً يعد من أكثر ملفات العدالة الانتقالية إلحاحاً في سوريا، وأن كشف الحقيقة بشأن مصير الضحايا ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وإنصاف الأسر المتضررة يشكّل ركائز أساسية لتحقيق العدالة وتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة والإسهام في بناء سوريا الجديدة.
وكان وزير العدل مظهر الويس أكد أول أمس السبت، أن كشف خيوط جريمة اختفاء أطفال الدكتورة رانيا العباسي يثبت أن الحقيقة لا تسقط بالتقادم، وأن الملاحقة والمحاسبة هما الطريق إلى العدالة، مشدّداً على أن الدولة السورية ستواصل بكل مؤسساتها كشف الحقائق وإنصاف الضحايا وذويهم.
كما أوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن مساري كشف مصير الضحايا ومساءلة مرتكبي الجرائم ليسا مطلبين مؤجلين، بل أساس العدالة وسيادة القانون، مشيراً إلى أن أطفال الدكتورة رانيا العباسي ليسوا أرقاماً في ملف، بل ضحايا ينتظرون الحقيقة والعدالة.
وكانت وزارة الداخلية أعلنت توصّلها من خلال التحقيقات التي أجرتها مع عدد من الموقوفين فيما يتعلق بقضية اختفاء أطفال الدكتورة رانيا العباسي، إلى معلومات وأدلة تفيد بمقتل الأطفال على يد مجموعات وميليشيات تابعة للنظام البائد، حيث أسهمت مقاطع الفيديو والمعلومات التي شاركتها الهيئة الوطنية للمفقودين مع الوزارة في دعم مجريات التحقيق وتعزيز الأدلة المتوفرة.
وأكدت الوزارة أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط المدعو أمجد يوسف في هذه الجريمة، فيما تواصل الجهات المختصة استكمال التحقيقات وجمع الأدلة وملاحقة بقية المتورطين المحتملين، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.