دمشق-سانا
تعود إلى الواجهة، مع حلول شهر رمضان المبارك، عادات اجتماعية راسخة في الذاكرة السورية، تتوارثها الأجيال لما تحمله من معاني المودّة والامتنان، ومن بين هذه العادات “حقّ الملح”، وهو تقليد دمشقي قديم يعبّر عن تقدير جهود ربة المنزل خلال الشهر الكريم، ويجسّد روح التكافل والمحبة التي تميّز العلاقات الأسرية في المجتمع السوري.

الباحث الاجتماعي مصعب الشيخ قال، في تصريح لمراسلة سانا: إنّ هذه العادة نشأت في المجتمعات الريفية والحواضر السورية، تكريماً لربّة المنزل التي تُعدّ الطعام فتتحمّل مشقة الصيام والعمل معاً، مشيراً إلى أنّ “الملح” رمز للعشرة والمودة، حيث من “أكل ملحك” صار بينك وبينه عهد وودّ.
وذكر الشيخ أنّ هذه العادة ارتبطت بشهر رمضان بسبب الجهد المضاعف في إعداد الطعام والطابع الروحي والاجتماعي الخاص بهذا الشهر.
تعبير عن الامتنان
يحرص كثير من الأزواج، في المجتمع الدمشقي اليوم، على تقديم هدية لزوجاتهم تقديراً لما بذلنَه من جهد طوال الشهر، سواء كانت قطعة ذهب أم لباساً أو…، وفق إمكاناتهم.

وأوضح محمد شربجي، بائع الألبسة، أنّ هذه المبادرة تمنح الزوجة لحظة تقدير معنوي، إذ غالباً ما تقدّم المرأة احتياجات أسرتها على احتياجاتها، فتأتي هدية “حقّ الملح” تعبيراً عن الامتنان.

وأكد كلّ من وسيم عنان وفهد حمزة من سكان دمشق، بدورهما، أنّ الهدية قد تكون بسيطة، ككلمة طيّبة أو وردة، مشيرَين إلى المثل الدمشقي المتداول: “الرجل جنّى والمرأة بالبيت بنّى”، في إشارة إلى الدور الحيوي للمرأة في تدبير شؤون المنزل، وأن المعاملة الحسنة والاهتمام أجمل تعبير عن الامتنان.

أما الصائغ عزمي خربان، فأشار إلى أن عادة “حقّ الملح” كانت تُعرف بتقديم الذهب على نطاق واسع، لكن الظروف الاقتصادية الحالية قلّصت انتشارها، ورغم ذلك يحرص بعض الزبائن على شراء هدية رمزية للحفاظ على هذه التقاليد التي تحمل قيمة معنوية كبيرة لدى الأسر الدمشقية.
هدايا متنوعة حسب الإمكانات

وأوضحت بدرية حلواني، من جهتها، أن أحفادها وأولادها يكرمونها في نهاية شهر رمضان بهدايا متنوعة حسب إمكاناتهم، يرافقها فنجان قهوة وكلمات طيبة، ما يعكس تقديرهم لجهدها طوال الشهر.

في حين شدّدت منال باطية على أنّ هذه المبادرة تعكس حقّ المرأة في التقدير والاعتراف بجهدها داخل الأسرة والمجتمع، مشيرة إلى أنّ الحفاظ على هذه العادة يعكس روح المودة والتقدير داخل العائلة.
تظل عادة “حقّ الملح” أكثر من مجرد هدية رمضانية، فهي طقس اجتماعي يختصر تاريخاً من المحبة والامتنان ويعيد إلى البيوت السورية دفء الماضي، شاهداً على قدرة المجتمع على الحفاظ على هويته وروحه الأصيلة.