برازيليا-سانا
تتجاوز أهمية الانتخابات الرئاسية التي تشهدها البرازيل اليوم الأحد حدود التنافس بين الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه فلافيو بولسونارو، لتشمل مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والقوى الدولية، ومواقفها من القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومع تقارب النتائج في الجولة الأولى، التي حصل فيها بولسونارو على نحو 47 بالمئة من الأصوات مقابل 45 بالمئة للولا، وفق مانشرته تقارير إعلامية، تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع لحسم السباق الرئاسي وتحديد مسار البرازيل في المرحلة المقبلة.
السيادة في مواجهة الضغوط الأمريكية
برزت العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن محاور التنافس الانتخابي، في ظل تقارب سياسي واضح بين فلافيو بولسونارو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مقابل تأكيد لولا أهمية استقلال القرار البرازيلي ورفض التدخل الخارجي في خيارات الناخبين.
وفي هذا السياق، نشرت وكالة “رويترز” تحقيقاً استند إلى إفادات مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، تحدث عن تحركات لمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية لدعم عودة عائلة بولسونارو إلى السلطة، بالتزامن مع فرض واشنطن عقوبات على القاضي البرازيلي ألكسندر دي مورايس وفرض رسوم جمركية مرتفعة على سلع برازيلية.
وبررت الإدارة الأمريكية، بحسب تحقيق رويترز، إجراءاتها بالدفاع عن المصالح الأمريكية ومكافحة المخدرات، فيما أثارت التدابير خلافاً مع برازيليا ومخاوف بشأن انعكاساتها على العلاقات التجارية.
إرث بولسونارو يعود عبر نجله
يمثل فلافيو بولسونارو امتداداً سياسياً لوالده الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي لا يزال يتمتع بقاعدة انتخابية محافظة، رغم إدانته بالسجن 27 عاماً على خلفية محاولة الانقلاب عقب خسارته انتخابات عام 2022.
ويستند فلافيو إلى خطاب يركز على التشدد في مكافحة الجريمة وخفض الإنفاق الحكومي، كما تعهد بالسعي إلى الإفراج عن والده وإبعاد القاضي دي مورايس، في مواقف تنذر باستمرار التوتر حول استقلال المؤسسات القضائية وحدود السلطة التنفيذية.
في المقابل، يخوض لولا الانتخابات مستنداً إلى إرثه في برامج الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر، لكنه يواجه تحديات تتصل بارتفاع تكاليف المعيشة ومخاوف الأمن والجريمة.
ويطرح برنامجه توسيع الحماية الاجتماعية، وتقديم إجراءات تخفف أعباء الوقود والديون، ودعم الطلاب والمشروعات الصغيرة، إلى جانب خفض أسبوع العمل من 44 ساعة إلى 40 ساعة.
وتكشف هذه الوعود وفق تقارير إعلامية عن اختلاف في الأولويات بين مرشح يركز على دور الدولة في تخفيف الأعباء الاجتماعية، وآخر يطرح تشديد الإجراءات الأمنية وتقليص الإنفاق العام، وسط تساؤلات بشأن قدرة أي من البرنامجين على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
القضية الفلسطينية.. اختبار لاتجاه السياسة الخارجية
تثير عودة عائلة بولسونارو المحتملة إلى السلطة تساؤلات بشأن مستقبل الموقف البرازيلي من القضية الفلسطينية، في ضوء توجهات الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي سعى إلى تعزيز العلاقات مع إسرائيل، وتعهد بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، كما شكك في قيام دولة فلسطينية.
ورغم عدم تنفيذ قرار نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس، افتتحت البرازيل مكتباً تجارياً في القدس في كانون الأول 2019، خلال عهد الرئيس السابق جايير بولسونارو، في خطوة عدت تمهيداً لنقل السفارة.
وتزامن ذلك مع تحول في المواقف الدبلوماسية البرازيلية تجاه إسرائيل، إذ صوتت البرازيل ضد قرارات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تنتقد ممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفق دراسة “تغيير السياسة الخارجية في البرازيل: المحركات والتداعيات”، التي نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في تموز 2022.
غير أن اعتراضات داخلية ومخاوف من تضرر العلاقات التجارية مع الدول العربية، ولا سيما تجارة اللحوم الحلال، حدت من تنفيذ بعض تعهداته، وأظهرت تأثير المصالح الاقتصادية في خيارات برازيليا.
وفي المقابل، تبنى لولا مواقف مؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وانتقد العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة ودعا إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات واحترام القانون الدولي.
بريكس والصين وروسيا.. توازنات ما بعد الانتخابات
يمتد التباين بين المرشحين إلى موقع البرازيل في النظام الدولي، حيث عمل لولا على تعزيز دور مجموعة بريكس بوصفها إطاراً لتوسيع التعاون بين اقتصادات الجنوب العالمي والدفع نحو إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، فيما تثير توجهات فلافيو الأكثر تقارباً مع واشنطن تساؤلات بشأن مستقبل هذا الدور، وإمكانية إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية البرازيلية.
وتبرز الصين في هذا السياق باعتبارها الشريك التجاري الأكبر للبرازيل، ما يجعل العلاقات معها مرتبطة بمصالح اقتصادية يصعب فصلها عن الحسابات السياسية.
ورغم أن التقارب مع الولايات المتحدة قد يدفع حكومة فلافيو، في حال فوزه، إلى إعادة تقييم بعض خياراتها الدبلوماسية، فإن حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة قد يحد من أي تحول جذري في العلاقة مع بكين.
أما روسيا، فتندرج العلاقات معها ضمن سياسة البرازيل الأوسع القائمة على الحفاظ على قنوات الحوار وتعدد الشراكات الدولية.
ودافع لولا عن الحلول الدبلوماسية في التعامل مع النزاعات الدولية، فيما قد يؤدي تغير القيادة إلى تعديل نبرة برازيليا وأولوياتها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قطيعة مع موسكو.
وتعكس هذه الملفات أن الانتخابات لن تحسم فقط التوجه الاقتصادي والاجتماعي للبرازيل، بل ستحدد أيضاً كيفية موازنتها بين علاقتها بالولايات المتحدة وشراكاتها مع الصين وروسيا ودورها في بريكس، إلى جانب موقفها من القضية الفلسطينية والعلاقات العربية.