دمشق-سانا
عكست الجولة الخليجية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي شملت الكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية، تداخل الأولويات الاقتصادية والأمنية في توجهات باريس نحو المنطقة، مع تركيز على تأمين إمدادات الطاقة، وتوسيع الشراكات الاستثمارية والتكنولوجية والدفاعية، وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية.
وأظهرت الاتفاقات والتفاهمات المعلنة خلال الجولة تعدد مجالات التعاون الفرنسي الخليجي، من الطاقة والصناعات المتقدمة إلى الدفاع وأمن الملاحة، في وقت تفرض فيه التوترات الإقليمية تحديات على إمدادات الطاقة وحركة التجارة، وتدفع إلى تعزيز التنسيق بين دول المنطقة وشركائها الدوليين.
الطاقة وتأمين الإمدادات
برز ملف الطاقة في المحطة السعودية، إذ أعلن قصر الإليزيه التوصل إلى اتفاق مع السلطات السعودية لتمديد تأمين كميات إضافية من الديزل لفرنسا حسب الحاجة، بهدف ضمان استمرار الإمدادات.
وفي قطر، أكد الجانبان الفرنسي والقطري أهمية الحفاظ على أمن الطاقة واستقرار إمداداتها، إلى جانب ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون قيود أو رسوم.
وتبرز هذه المعطيات أهمية الطاقة في العلاقات الفرنسية الخليجية، سواء من حيث ضمان الإمدادات أو التعاون في القطاعات المرتبطة بها، في ظل ارتباط استقرار الأسواق العالمية بأمن الممرات البحرية وتطورات الأوضاع الإقليمية.
الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة
في الإمارات، وقّعت مؤسسات وشركات إماراتية وفرنسية مذكرات تفاهم وعقوداً في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، شملت تطوير البنية التحتية للحوسبة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتوسيع قدرات التكرير وإنتاج وقود الطيران المستدام.
وشهدت الكويت توقيع خطاب نوايا ومذكرة تفاهم في مجالات مختلفة، بحضور أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح والرئيس الفرنسي، بما يعكس توجه البلدين إلى توسيع مجالات التعاون الثنائي.
وفي البحرين، بحث الملك حمد بن عيسى آل خليفة والرئيس الفرنسي تطوير العلاقات في مجالات الاستثمار والسياسة والدفاع والعلوم المتقدمة، إلى جانب التعاون الصناعي، بما فيه الشراكة مع شركة ألمنيوم البحرين “ألبا”، والصناعات الدفاعية والعسكرية، وتأمين إمدادات الطاقة.
كما تناولت المباحثات البحرينية الفرنسية مشاريع البنية التحتية والمواصلات، ومنها مشروع السكك الحديدية الذي يربط البحرين بدول مجلس التعاون عبر جسور جديدة.
وفي الدوحة أكدت قطر وفرنسا التزامهما بتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.52 مليار يورو في عام 2025، وركزتا على أهمية الاستثمارات القطرية في فرنسا، بما يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي، ويوفر فرص العمل، ويعزز الابتكار.
وأعربتا عن اهتمامهما باستكشاف فرص جديدة، في مجالي التقنيات الكمومية والذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه المجالات إلى اتساع نطاق الشراكة الفرنسية الخليجية، التي لم تعد تقتصر على القطاعات التقليدية، بل تشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والصناعات ذات القيمة المضافة.
التعاون الدفاعي وأمن الملاحة
إلى جانب المصالح الاقتصادية، شكل التعاون الدفاعي والأمني محوراً في الجولة، ولا سيما في البحرين، حيث أكد الملك حمد بن عيسى آل خليفة أهمية اتفاق التعاون الدفاعي الموقع مع فرنسا خلال زيارته إليها في شباط الماضي، وما يتيحه من فرص لتطوير التعاون الأمني والتقني وتوسيع التبادل التجاري والعلمي والثقافي.
وفي السعودية، بحث ماكرون وولي العهد الأمير محمد بن سلمان العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية.
كما برز أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز ضمن الملفات المطروحة، في ظل تأثير التوترات الإقليمية على حركة التجارة وإمدادات الطاقة، حيث شددت باريس وشركاؤها الخليجيون على أهمية ضمان حرية الملاحة وخفض التصعيد.
سوريا وملفات المنطقة
في الدوحة، أكدت قطر وفرنسا استعدادهما للعمل المشترك لدعم المشاريع التي تسهم في تحقيق الاستقرار والتعافي الاقتصادي في سوريا، بالتعاون الوثيق مع الحكومة السورية، كما أشاد الجانبان بالتعاون في مجال الحماية المدنية، ولا سيما الدعم المشترك للدفاع المدني السوري.
وفي الشأن الفلسطيني، جددت قطر وفرنسا دعمهما حل الدولتين، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأكدتا رفض ضم الضفة الغربية، ودعتا إلى وقف الاستيطان الإسرائيلي وعنف المستوطنين، وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان بصورة عاجلة وآمنة ودون عوائق.
كما أكد الجانبان دعمهما سيادة لبنان واستقراره، وشددا على أهمية استمرار الدعم الدولي للسلطات والقوات المسلحة اللبنانية، وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.
وتظهر نتائج الجولة تعدد مسارات الشراكة الفرنسية الخليجية بين المصالح الاقتصادية والأمنية والمواقف السياسية المشتركة، وبينما تمثّل الاتفاقات المتعلقة بالطاقة والتكنولوجيا والصناعة مجالات تعاون قابلة للتوسع من خلال تنفيذها، تبقى الملفات الإقليمية مرتبطة بمدى القدرة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تسهم في خفض التوتر وضمان أمن الملاحة.