واشنطن-سانا
تحول اضطراب مضيق هرمز من أزمة تعرقل جزءاً من تدفقات النفط والغاز العالمية إلى اختبار لمنظومة الطاقة الدولية، بعدما اهتز افتراض ظل لعقود قائماً على إمكانية الوصول إلى مصادر الطاقة، عبر ممرات ملاحية آمنة ومستقرة.
وبحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن إن”، يستند قطاع الطاقة العالمي إلى منظومة تتجاوز حقول النفط والغاز وخطوط الأنابيب والمصافي ومحطات التصدير وأساطيل الناقلات، لتشمل الأسواق المالية والتأمين والقانون البحري والعقود طويلة الأجل والدبلوماسية والردع العسكري، إضافة إلى الثقة باستمرار عمل هذه المنظومة بصورة مستقرة.
وسجلت أسعار النفط تراجعات طفيفة خلال تعاملات، اليوم الثلاثاء، لكنها حافظت على مكاسبها قرب أعلى مستويات الأسبوع، ليستقر خام برنت عند نحو 87.7 دولاراً للبرميل، فيما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط 82 دولاراً.
ويرى رئيس الأسواق الناشئة وشركات النفط الوطنية في شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة شراينر باركر، أن اضطرابات هرمز تمثل اختباراً لهذه المنظومة، إذ بات السؤال مرتبطاً بمدى استعداد الأسواق والمستثمرين للتعامل مع المرور عبر المضيق باعتباره أمراً مضموناً كما كان سابقاً.
هرمز.. مقياس جديد للمخاطر
أظهرت التطورات الأخيرة سرعة انتقال تداعيات الأزمة من حركة السفن إلى مختلف حلقات سوق الطاقة، مع انخفاض حركة الملاحة والصادرات النفطية، وارتفاع أقساط التأمين وتكاليف الشحن، وزيادة المخزونات الاحترازية وتأجيل بعض الاستثمارات.
ووفق بيانات شركة كبلر، ارتفع إجمالي النفط الخام والمكثفات الموجودة على متن الناقلات البحرية حول العالم إلى نحو 1.35 مليار برميل، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 1.33 مليار برميل والمسجل نهاية عام 2025.
وجاءت الزيادة مع استمرار الصادرات المرتفعة من الخليج العربي خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، إذ بلغت نحو 12.5 مليون برميل يومياً في أواخر حزيران وبداية تموز، أي نحو 80 بالمئة من مستويات ما قبل الحرب، بالتوازي مع استمرار تدفق الإمدادات من المناطق الواقعة غرب قناة السويس.
ويقول إرن لوهمان راسموسن، كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management: إن احتمالات إعادة فتح المضيق في المدى القريب أصبحت أكثر محدودية في ظل تباعد المواقف بشأن الشروط المرتبطة بذلك، مشيراً إلى أن تغير معنويات الأسواق قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع خلال الأيام المقبلة.
الخليج يحتفظ بميزته
ورأى باركر أن الصدمة الحالية لن تؤدي إلى إزاحة منتجي النفط في الخليج، إذ ما زالت المنطقة تمتلك بعضاً من أكبر موارد الهيدروكربونات وأقلها تكلفة في العالم، فيما لم تتغير بصورة جوهرية اقتصاديات الإنتاج.
وفي المقابل، قد تظهر آثار إعادة تسعير المخاطر لدى منتجي منطقة الأطلسي، مثل البرازيل وغيانا وكندا والولايات المتحدة، في ظل تحديات تتعلق بحجم الموارد والظروف المالية والسياسية ومخاطر الأعاصير والطقس.
وتؤكد ريستاد إنرجي أن منتجي الخليج سيبقون أساسيين لإمدادات الطاقة العالمية بفضل ضخامة مواردهم وانخفاض تكاليف الإنتاج وموقعهم الاستراتيجي، لكن الأزمة تضيف عاملاً جديداً إلى معادلة السوق، يتمثل في احتساب مخاطر أمن مسارات الإمداد بصورة أكبر.
سوق أكثر مرونة
تتجه سوق الطاقة، وفق هذه المعطيات، نحو إعادة تنظيم تدريجية بدلاً من تغيير جذري في خريطة المنتجين، فثورة النفط الصخري، وعولمة الغاز الطبيعي المسال، وظهور أحواض إنتاج جديدة، إلى جانب الأزمات الجيوسياسية، أعادت في مراحل مختلفة تشكيل السوق.
وقد تدفع أزمة هرمز نحو نظام أكثر تركيزاً على تنويع مسارات الإمداد وبناء المخزونات وتعزيز المرونة، بحيث تصبح تكلفة المخاطر الجيوسياسية جزءاً من حسابات الإنتاج والاستثمار والنقل والتخزين، وتتحول مرونة الإمدادات إلى عنصر أساسي في قيمة الطاقة وأمنها.