عواصم-سانا
دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة من التوتر، بعدما صعّدت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تهديداتها للملاحة المرتبطة بالسعودية، في تطور يهدد بتحويل باب المندب إلى بؤرة ضغط جديدة على أسواق الطاقة العالمية، في وقت تواصل فيه المملكة الاعتماد على الساحل الغربي لتصدير الجزء الأكبر من نفطها بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
وبينما سارعت شركات تكرير آسيوية إلى دراسة بدائل للإمدادات، واصلت شركات أخرى إرسال ناقلاتها إلى ميناء ينبع الذي يعد المنفذ الرئيسي لصادات النفط السعودية بعد تحويل جزء كبير منها من الخليج، وذلك وسط تحذيرات من ارتفاع تكاليف النقل واحتمال قفز أسعار النفط إذا اتسعت الأزمة.
استمرار الصادرات
وأفادت بلومبرغ، اليوم الثلاثاء، بأن ست شركات تكرير في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وتايوان ما زالت تمضي في خططها لتحميل شحنات النفط السعودي من البحر الأحمر، بينما تواصل ثلاث منها إرسال ناقلاتها إلى ميناء ينبع، رغم التهديدات الأخيرة.
وأضافت الوكالة، أن شركة أرامكو السعودية تمكنت خلال الأشهر الماضية من تحويل جانب كبير من صادراتها من ميناء رأس تنورة إلى ينبع عبر خط أنابيب الشرق – الغرب، ما حافظ على مستويات الإمدادات للأسواق الآسيوية.
وفي المقابل، أشارت بلومبرغ إلى أن بعض المشترين الآسيويين بدؤوا البحث عن بدائل احترازية، بما في ذلك الخام الأمريكي وخام مربان الإماراتي والنفط العماني، تحسباً لأي اضطراب محتمل في تدفقات النفط عبر البحر الأحمر.
تهديدات للملاحة
وجاءت هذه التطورات بعد إعلان ميليشيا الحوثي فرض ما وصفته بحظر الملاحة المرتبطة بالسعودية، في خطوة أثارت مخاوف من اتساع دائرة التهديدات إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأعلنت السعودية إدانتها هذه التهديدات، مؤكدة أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سفنها وفق القانون الدولي، كما شددت على استمرار دعمها للحكومة اليمنية الشرعية، مشيرة إلى أن موانئ شمال اليمن استقبلت خلال النصف الأول من العام أكثر من 300 سفينة تحمل مواد غذائية وبضائع ووقوداً، مع استمرار منع تهريب الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي، وفق بيان وزارة الخارجية السعودية.
تداعيات اقتصادية
وحذرت رويترز، نقلاً عن خبراء في أسواق الطاقة، من أن أي تعطيل فعلي للملاحة في باب المندب قد يدفع أسعار النفط إلى ما بين 115 و120 دولاراً للبرميل، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر وصول الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية.
وأوضحت الوكالة أن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط الخام السعودي المتجه إلى آسيا قد يضطر إلى سلوك طرق بحرية أطول حول رأس الرجاء الصالح، بينما قد تواجه المصافي الآسيوية تأخيرات تصل إلى شهر في استلام الشحنات القادمة من ينبع.
أهمية باب المندب
وتبرز أهمية باب المندب بصورة أكبر بعدما أصبح المنفذ الرئيسي لصادرات النفط السعودية عقب تراجع الاعتماد على مضيق هرمز.
وتشير بيانات شركة كبلر، التي أوردتها رويترز وبلومبرغ، إلى أن السعودية تشحن حالياً أكثر من 4.5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والوقود عبر ميناء ينبع، يذهب نحو 70 بالمئة منها إلى الأسواق الآسيوية، بينما يمر عبر باب المندب نحو 7 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
كما تؤكد تقديرات كبلر، أن أي اضطراب في هذا الممر لن يؤدي بالضرورة إلى توقف الصادرات السعودية، لكنه سيطيل زمن الرحلات ويزيد كلفة النقل، مع إعادة توزيع حركة الناقلات عالمياً وارتفاع أسعار الطاقة.
ورقة ضغط إيرانية
ويأتي التصعيد في البحر الأحمر في ظل استمرار التصعيد الأمريكي – الإيراني، وفي وقت تشير فيه تقارير إلى أن طهران طلبت من ميليشيا الحوثي الاستعداد لاستخدام باب المندب كورقة ضغط إذا تعرضت منشآت الطاقة أو البنية التحتية الإيرانية لهجمات أمريكية.
ويرى مراقبون أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يعكس محاولة إيرانية لتوسيع دائرة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، عبر استهداف الممرات البحرية الحيوية، بعد تراجع نفوذها في عدد من الساحات الإقليمية، بما يجعل من باب المندب أحد أبرز أوراقها المتبقية للتأثير في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
مخاوف ممتدة
ومع استمرار التهديدات، تبدو أسواق الطاقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، إذ لم تعد المخاوف تقتصر على مضيق هرمز، بل امتدت إلى البحر الأحمر وباب المندب، ما يضاعف الضغوط على حركة التجارة العالمية ويجعل أمن الممرات البحرية عاملاً حاسماً في استقرار الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.