أنقرة- سانا
تتبع تركيا سياسة تقوم على الموازنة بين علاقاتها مع روسيا من جهة، والتزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشراكاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، في ظل تصاعد التوترات الدولية وتعدد ملفات الصراع في محيطها الإقليمي.
وتأتي هذه المعادلة في وقت تستعد فيه أنقرة لاستضافة قمة قادة دول الناتو الشهر المقبل، وسط تأكيدات تركية بأن الأولوية ستكون لتعزيز دور البلاد الأمني داخل الحلف، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات الحوار المفتوحة مع موسكو.
تقارب أمريكي – تركي قبيل قمة أنقرة
وفي مؤشر على استمرار الحوار السياسي والعسكري بين أنقرة وواشنطن، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات أدلى بها في البيت الأبيض خلال لقائه الأمين العام لحلف الناتو مارك روته مؤخراً وفقاً لوكالة الأناضول، أعلن عزمه المشاركة في قمة الحلف التي ستستضيفها أنقرة، مؤكداً أن مشاركته تأتي “احتراماً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان”.
وقال ترامب: إن تركيا “عضو قوي في الناتو” وتتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، مشيراً إلى إمكانية اتخاذ خطوات إيجابية في ملفات التعاون الدفاعي مع أنقرة، بما في ذلك مقاتلات “F-35” ومحركات الطائرات المرتبطة بمشروع المقاتلة التركية “KAAN”.
كما نقلت الوكالة ذاتها عن الأمين العام لحلف الناتو تأكيده أن تركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية واسعة وتضم آلاف الشركات العاملة ضمن منظومة الحلف، في إشارة إلى تعاظم دورها داخل البنية الدفاعية للناتو.
أنقرة تكرس دور الوسيط بين موسكو وكييف
وفي موازاة ذلك، تؤكد تركيا استمرار دورها في محاولة تقريب وجهات النظر بين روسيا وأوكرانيا، حيث نقلت وكالة رويترز في نيسان الماضي عن بيان صادر عن الرئاسة التركية عقب لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في أنقرة، أن أنقرة تعمل على “إحياء المفاوضات بين موسكو وكييف وتهيئة الظروف لعقد محادثات على مستوى القادة”.
وبحسب البيان ذاته، شدد أردوغان على التزام تركيا بإيجاد تسوية سلمية للحرب الروسية الأوكرانية، مع استمرار اتصالاتها مع الطرفين، مؤكداً أن الحفاظ على قنوات الحوار يمثل جزءاً أساسياً من السياسة الخارجية التركية.
كما أشار البيان إلى أن الرئيس التركي بحث مع الجانب الأوروبي داخل الناتو ضرورة تعزيز المسؤوليات الدفاعية المشتركة، في ظل التطورات الأمنية المتسارعة في أوروبا.
الناتو وتركيا: دور محوري
وفي أكثر من مناسبة، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن بلاده تواصل التزامها بحلف الناتو باعتباره “ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغربي”، مع التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة براغماتية في التعامل مع روسيا.
وشدد أردوغان خلال تصريحات سابقة على أن تركيا تنتهج سياسة خارجية متوازنة، ولا ترى تعارضاً بين التزاماتها داخل الحلف والحفاظ على علاقات مستقرة مع روسيا.
من جانبه، يواصل حلف الناتو التأكيد على أهمية الدور التركي ضمن منظومته الدفاعية، باعتبارها دولة محورية على الجناح الجنوبي للحلف وفي منطقة البحر الأسود.
وتشير بيانات رسمية للحلف إلى أن تركيا تعد من أبرز المساهمين في عمليات الردع والدفاع الجماعي، إلى جانب دورها في تأمين الممرات البحرية وتنفيذ التزاماتها داخل البنية العسكرية للناتو.
علاقة مع روسيا قائمة على التوازن والحذر
رغم التوتر بين روسيا والغرب، حافظت أنقرة على قنوات تواصل نشطة مع موسكو، وخاصة في ملفات الطاقة والتجارة والتنسيق الإقليمي، مع استمرارها في الالتزام باتفاقية مونترو التي تنظم حركة السفن العسكرية عبر المضائق التركية.
كما أكدت بيانات الكرملين ووزارة الخارجية الروسية في مناسبات سابقة أن العلاقات مع أنقرة تتسم بطابع “عملي ومرن”، يقوم على الحوار المباشر وتجنب التصعيد، في ظل استمرار التنسيق في ملفات إقليمية متعددة.
سياسة “الحبل المشدود” مستمرة
ويرى مراقبون أن السياسة التركية الحالية تقوم على إدارة توازن دقيق بين أطراف متنافسة، من خلال الحفاظ على عضويتها الفاعلة في الناتو، وتعزيز التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة وأوروبا، دون قطع قنوات التواصل مع روسيا.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية حالة إعادة تشكل، ما يضع أنقرة أمام اختبار مستمر لقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن المعقد دون خسارة أي من أطرافه الأساسية.