عواصم-سانا
رغم مرور أيام على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الهادفة إلى إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وفتح الباب أمام مفاوضات أوسع خلال الأشهر المقبلة، لا تزال الخلافات بين الجانبين تطفو على السطح بشأن عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها آلية تفتيش المنشآت النووية الإيرانية، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وطبيعة التصرف بالأموال الإيرانية المجمدة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التفاهم الذي أعلن عنه في سويسرا نجح في وقف التصعيد العسكري وتهيئة الأرضية لمسار تفاوضي جديد، لكنه لم يحسم بعد القضايا الأكثر تعقيداً، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على تحويل الاتفاق الإطاري إلى تسوية أكثر استقراراً وديمومة.
تفتيش نووي موضع خلاف
في أحدث المواقف الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الأربعاء، في تصريحات لفوكس نيوز أن مفتشين أمريكيين سينضمون إلى فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المواقع النووية الإيرانية، مؤكداً أن طهران وافقت على دخول مفتشين نوويين إلى أراضيها، وإن لم يُحدد موعداً لوصولهم.
وتزامنت تصريحات ترامب مع تأكيد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن عمليات التفتيش في إيران “ستحصل لا محالة”، موضحاً أن مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران تنص صراحة على خضوع الأنشطة النووية المتعلقة باليورانيوم عالي التخصيب لإشراف الوكالة.
غير أن طهران سارعت إلى نفي الرواية الأمريكية بشأن نطاق التفتيش، إذ أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن السماح بالوصول إلى المواقع النووية التي تعرضت لهجمات أو إلى المواد النووية المرتبطة بها لن يتم إلا في إطار اتفاق نهائي ومع اتخاذ خطوات عملية لرفع العقوبات الأمريكية.
هرمز بين التفاهم والخلاف
وفي ملف الملاحة البحرية، أعلن ترامب أن إيران أبلغت الولايات المتحدة بعدم فرض أي رسوم أو تكاليف على السفن العابرة لمضيق هرمز، محذراً من أن المفاوضات “ستنتهي فوراً” إذا ثبت عكس ذلك.
وجاء هذا الموقف بعدما أثارت تصريحات ومباحثات إيرانية ــ عمانية حول إدارة الخدمات البحرية في المضيق مخاوف أمريكية وخليجية من احتمال فرض رسوم مستقبلية على السفن العابرة.
كما كرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رفض بلاده لأي رسوم على الممرات المائية الدولية، معتبراً أن ذلك يتعارض مع قواعد القانون الدولي.
في المقابل، كشفت مصادر دبلوماسية وتقارير إعلامية عن تحضيرات لمباحثات إقليمية تضم إيران ودول الخليج والعراق لمناقشة مستقبل إدارة المضيق، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى تثبيت حرية الملاحة ومنع أي إجراءات قد تؤثر في حركة التجارة العالمية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
عودة تدريجية للحركة التجارية
بالتوازي مع الجدل السياسي، بدأت مؤشرات عودة النشاط الملاحي إلى مضيق هرمز بالظهور تدريجياً، فقد أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة أن سفناً تجارية بدأت بالفعل العبور وفق خطة أُعدت بالتعاون مع دول المنطقة لتسهيل الحركة البحرية بعد أشهر من الاضطرابات.
وأظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أن ما لا يقل عن 35 سفينة تجارية كانت تستعد الأربعاء لعبور المضيق، فيما أكدت شركة “كبلر” للمعلومات البحرية عبور 25 سفينة خلال يوم واحد، في مؤشر على تحسن الثقة تدريجياً بسلامة الملاحة في المنطقة.
كما تعمل المنظمة البحرية الدولية على تنفيذ عملية واسعة لإجلاء أكثر من 11 ألف بحار تقطعت بهم السبل في الخليج خلال فترة الحرب، بعد حصولها على ضمانات أمنية من الأطراف المعنية، وفق ما أعلنه الأمين العام للمنظمة أرسينيو دومينغيز.
الأموال المجمدة تحت الرقابة
ومن الملفات التي لا تزال تثير تبايناً واضحاً بين واشنطن وطهران قضية الأصول الإيرانية المجمدة، فبينما أكد ترامب أن الولايات المتحدة لم تقدم أي أموال لإيران، وأن الأموال التي قد يُفرج عنها ستُستخدم حصراً لشراء منتجات أمريكية، وخاصة المواد الغذائية والزراعية، شدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على أن وزارة الخزانة ستشرف مباشرة على إنفاق تلك الأموال من خلال آليات رقابية خاصة حسب تقارير فرانس برس ورويترز.
في المقابل، أعلن مسؤولون إيرانيون في الأيام الماضية التوصل إلى تفاهمات للإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول المجمدة، مؤكدين أن طهران هي التي ستحدد أوجه إنفاقها.
ويعكس هذا التناقض استمرار الخلاف حول أحد البنود الأكثر حساسية سياسياً داخل الولايات المتحدة، في ظل انتقادات يواجهها ترامب من بعض الجمهوريين الذين يرون أن الاتفاق يمنح إيران امتيازات كبيرة مقابل تفاهمات مؤقتة.
مفاوضات جديدة واختبار للمرحلة المقبلة
وفي ظل هذه التباينات، أعلنت باكستان، التي تشارك مع قطر في جهود الوساطة، أن المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران ستُستأنف الأسبوع المقبل لاستكمال البحث في الملفات العالقة ضمن خريطة طريق تمتد ستين يوماً، وتهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي.
ورغم استمرار السجال حول التفتيش النووي والأموال المجمدة ومستقبل مضيق هرمز، فإن استئناف المفاوضات وتراجع المخاوف من تعطّل الملاحة وانخفاض أسعار النفط العالمية إلى ما دون مستويات الذروة التي سجلتها خلال الحرب، كلها مؤشرات تعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على المسار التفاوضي، وإن كانت الخلافات الجوهرية لا تزال تؤجل الوصول إلى تسوية نهائية شاملة.