عواصم-سانا
في ظل سعي الأسواق العالمية إلى إيجاد بدائل لوجستية تضمن استمرارية سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة وسط ما يمكن أن يطرأ من اضطرابات، برزت الممرات البرية العابرة لآسيا الوسطى والقوقاز وبحر قزوين كخيار استراتيجي واعد، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز والتداعيات المستمرة المرافقة لذلك.
الواقع الجديد الذي فرضه إغلاق هرمز من تغيرات في إمدادات الطاقة دفع العديد من الدول إلى البحث عن مسارات برية آمنة تشكل محاور لوجستية بديلة، وتوفر طرق شحن سريعة وأكثر كفاءة.
ويبرز في هذا السياق ممر زنغزور الذي يقع عند التقاء جبال القوقاز الصغرى ومرتفعات الأناضول وجبال زاغروس، ويربط أذربيجان بإقليم نخجوان الأذري المتمتع بالحكم الذاتي، حيث تفرق بينهما الأراضي الأرمينية.
وتنبع أهمية هذا الممر من كونه يفتح ممراً برياً مباشراً بين تركيا وأذربيجان وصولاً إلى آسيا الوسطى، الأمر الذي يغيّر توازنات النقل والتجارة في المنطقة.
ويمتد تأثير الممر إلى البعد الجيو-اقتصادي، إذ ينعكس بشكل مباشر على الدور الذي تؤديه إيران في طرق التجارة بين الشرق والغرب، كما أنه مرشّح ليصبح جزءاً من شبكات الممرات الدولية التي تحظى بدعم واشنطن وأنقرة، ما يضيف إليه بعداً جيوسياسياً.
زنغزور بديل بري واعد
وأكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال كلمته الافتتاحية لأسبوع باكو للطاقة أمس الإثنين أنّ ممر زنغزور سيُنفّذ بشكل حتمي، استناداً إلى اتفاقية موقعة في البيت الأبيض عام 2025، ما يعكس دعماً دولياً للمشروع.
وأشار علييف وفق ما نقلته وكالة الأنباء الأذرية إلى أن أذربيجان تفتح ممرات نقل جديدة من خلال الاستثمار في البنية التحتية للسكك الحديدية والطرق البرية.
ويلعب ممر زنغزور دوراً حاسماً في زيادة الاتصال الإقليمي، ويتسع تأثيره بحيث يربط أوروبا بآسيا، ويسهم في توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول، كما يعزز مكانة جنوب القوقاز في نظام العلاقات الاقتصادية الدولية.
“الممر الأوسط ” بديل جيوسياسي واستراتيجي
ومع تزايد التوجه الدولي نحو إيجاد مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، مثل هرمز، تبرز أهمية “الممر الأوسط” الذي يشكل أحد أبرز هذه المسارات الاستراتيجية في ظل التوترات المتصاعدة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية.
ويُعد هذا الممر طريقاً دولياً عابراً لبحر قزوين، ويوفّر مساراً آمناً لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية.
كما يربط “الممر الأوسط” الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر كازاخستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ما يجعله شرياناً حيوياً لتنويع سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
ولا تقتصر أهميته على النقل التجاري، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية تشمل الزراعة والمعادن الحيوية وسلاسل القيمة الصناعية، إضافةً إلى دوره في تعزيز تنمية رأس المال البشري في دول آسيا الوسطى.
مشروع استراتيجي
ويبلغ الطول الإجمالي نحو 4256 كم برياً، و508 كم بحرياً عبر بحر قزوين، كما يختصر زمن نقل البضائع من آسيا إلى أوروبا من 30 يوماً إلى 15 يوماً، وهو عامل يعزّز جاذبيته في التجارة العالمية.
أما بالنسبة لتركيا، فيُعد الممر مشروعاً استراتيجياً يعزّز موقعها كمركز لوجستي عالمي، وتزداد أهميته في ظل الاضطرابات التي تشهدها الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يدفع أنقرة إلى الاستثمار في دوره كمسار بديل آمن ومستدام.
ممرات الطاقة
وإلى جانب النقل التجاري، تعمل تركيا وأذربيجان على إنشاء ممر كهربائي جديد على غرار خط الغاز TANAP، إضافة إلى تطوير شبكات الربط الكهربائي مع جورجيا وبلغاريا.
كما تستثمر تركيا 30 مليار دولار لتحديث شبكتها الكهربائية، بينما تقود الشركات السعودية مثل أكوا باور مشاريع طاقة نظيفة ضخمة داخل أذربيجان، أبرزها محطة خيزي–أبشيرون بقدرة 240 ميغاواط.
وتؤسس هذه المشاريع لمرحلة جديدة من ممرات الطاقة متعددة الوسائط التي تقلل الاعتماد على المسارات البحرية في وقت يشهد فيه العالم تحولات عميقة في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.