موسكو-بكين-سانا
في وقت تهز فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ــ الإيرانية أسواق الطاقة العالمية، عاد مشروع خط الغاز الروسي “قوة سيبيريا 2” إلى واجهة المشهد الدولي، مع إعلان الكرملين اليوم الأربعاء التوصل إلى “تفاهم عام” مع الصين حول المعايير الأساسية للمشروع، في خطوة تعكس تسارع التقارب الاستراتيجي بين موسكو وبكين، ومحاولتهما بناء شراكة طاقوية بعيدة عن الضغوط الغربية والممرات البحرية المهددة.
المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار خلال مباحثاته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين إلى وجود تفاهم حول مسار المشروع وآليات تنفيذه، موضحاً أن بعض التفاصيل الفنية والمالية لا تزال قيد النقاش، لكن “التفاهم قائم بشكل عام”.
ما هو مشروع قوة سيبيريا 2؟
يعد قوة سيبيريا 2 أحد أكبر مشاريع الطاقة في العالم، إذ يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من حقول يامال الروسية في القطب الشمالي إلى شمال شرق الصين، عبر خط أنابيب يتجاوز طوله 4 آلاف كيلومتر، يمر جزء كبير منه عبر الأراضي الروسية ثم منغوليا، بطاقة نقل تصل إلى 50 مليار متر مكعب سنوياً.
ويكمل المشروع خط “قوة سيبيريا 1” القائم حالياً، والذي نقل نحو 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى الصين العام الماضي، مع اتفاق البلدين على زيادة طاقته التشغيلية مستقبلاً.
الحرب وأزمة هرمز تدفعان بكين نحو البدائل البرية
وحسب بلومبيرغ، فإن المشروع بات يكتسب أهمية مضاعفة في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية الناتجة عن التوترات في الخليج، ولا سيما بعد تعطل جزء كبير من حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما دفع بكين إلى تعزيز البحث عن بدائل برية أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، نقلت الوكالة تقديرات تفيد بأن المشروع قد يغير خريطة تدفقات الغاز العالمية خلال العقد المقبل، وخاصة إذا دخل الخدمة بكامل طاقته التشغيلية، إذ سيقترب حجمه من قدرة خط “نورد ستريم 1” الذي كان يمد ألمانيا بالغاز الروسي قبل توقفه.
موسكو تبحث عن بديل لأوروبا
كما يمثل المشروع بالنسبة لروسيا محاولة استراتيجية لتعويض خسائرها في السوق الأوروبية، بعد تراجع صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا بشكل حاد منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية الواسعة على قطاع الطاقة الروسي.
الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم أليكسي ميللر وصف المشروع سابقاً بأنه “أكبر وأكثر مشاريع الغاز كثافة في رأس المال على مستوى العالم”، بينما قدرت مؤسسات بحثية كلفة تنفيذه داخل روسيا ومنغوليا بنحو 34 مليار دولار، مع توقعات بألا يدخل الخدمة قبل عام 2030.
رسائل سياسية تتجاوز الطاقة
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك في بكين، أكد بوتين أن بلاده مستعدة لمواصلة ضمان “إمدادات مستقرة وموثوقة” من النفط والغاز والفحم إلى السوق الصينية، مشيراً إلى وجود “إمكانات كبيرة” للتعاون الثنائي في مجال الطاقة المتجددة.
بدوره، شدد الرئيس الصيني على ضرورة “تعظيم الاستفادة من ترابط موارد الطاقة بين البلدين”، إلى جانب تسريع التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار، في مؤشر على أن الشراكة الروسية الصينية تتجاوز البعد الاقتصادي نحو إعادة صياغة توازنات دولية أوسع.
عقبات الأسعار والاعتماد المتبادل
ورغم هذا الزخم السياسي، لا تزال المفاوضات بين الطرفين تواجه ملفات معقدة، أبرزها آليات التسعير والكميات طويلة الأمد، فموسكو تسعى إلى عقود تمتد لثلاثين عاماً تضمن إيرادات مستقرة، بينما تطالب بكين بمرونة أكبر في الأسعار والكميات، خشية الاعتماد المفرط على مورد واحد أو تراجع الطلب المحلي مستقبلاً.
وتشير تقارير اقتصادية لرويترز وبلومبيرغ وCNBC إلى أن الصين ترغب في الحصول على أسعار قريبة من السوق المحلية الروسية، في حين تتمسك موسكو بأسعار أعلى شبيهة بعقود “قوة سيبيريا 1”.
تأثيرات عالمية محتملة
وتشير تقديرات بلومبيرغ ورويترز إلى أن المشروع، إذا اكتمل، قد يترك آثاراً واسعة على أسواق الطاقة العالمية، إذ يمكن أن يقلّص اعتماد الصين على الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 40 مليون طن سنوياً، ما قد يخفف الضغوط على الأسواق الأوروبية والآسيوية الأخرى، لكنه في الوقت ذاته قد يضغط على مشاريع تصدير الغاز الجديدة، ولا سيما الأمريكية.
ومع استمرار التحولات الجيوسياسية الكبرى، يبدو أن قوة سيبيريا 2 لم يعد مجرد مشروع اقتصادي لنقل الغاز، بل بات عنواناً لتحالف استراتيجي أوسع بين روسيا والصين، ومحاولة لإعادة تشكيل موازين الطاقة العالمية بعيداً عن النفوذ الغربي التقليدي.