دمشق-سانا
يؤثر استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية في الشرق الأوسط على صناعة أشباه الموصلات عالمياً، إذ لم تعد تداعيات الصراع تقتصر على تعطّل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج، بل امتدت لتطال طبيعة الطلب العالمي على هذه الصناعة الحيوية التي تشكّل العمود الفقري لمعظم التقنيات الحديثة.
وتدخل الرقائق الإلكترونية في مكونات أساسية لعدد واسع من المنتجات، بدءاً من الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب وصولاً إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والسيارات الحديثة، غير أن الحروب والتوترات الإقليمية تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما مع تأثيرها المباشر في أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
تهديدات لسلاسل التوريد
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الصراعات في المنطقة قد تؤثر في توريد بعض المواد الحيوية المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات، وفي مقدمتها الغازات الصناعية مثل الهيليوم المستخدم في تقنيات الطباعة الحجرية المتقدمة اللازمة لتصنيع الرقائق الدقيقة.
وتُعد بعض دول المنطقة من المنتجين الرئيسيين لهذه المواد، مثل دولة قطر، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات أو النقل البحري عاملاً مؤثراً في استقرار الإنتاج العالمي للرقائق، كما اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والمواد الخام، قد يزيد من صعوبة نقل المواد الأساسية اللازمة لهذه الصناعة.
ارتفاع تكاليف الطاقة
وتشير العديد من التقارير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكّل تحدياً إضافياً للصناعة، فالمصانع المتقدمة في دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة تعتمد على كميات كبيرة من الكهرباء والمياه لتشغيل خطوط الإنتاج.
ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات الجيوسياسية، ترتفع تكاليف تشغيل هذه المصانع، ما يؤثر في هوامش أرباح الشركات المنتجة للرقائق، وقد يدفع بعضها إلى تأجيل خطط التوسع أو إنشاء مصانع جديدة.
تباين في الطلب العالمي
وعلى صعيد الطلب، تشير تحليلات السوق إلى احتمال حدوث تباين بين القطاعات المختلفة، إذ قد يؤدي ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة عالمياً إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي على الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب، ما ينعكس على الطلب على بعض أنواع الرقائق.
في المقابل، قد يشهد قطاع الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية المتقدمة زيادة في الطلب على أشباه الموصلات المتخصصة، ولا سيما مع ارتفاع الإنفاق العسكري على تطوير الطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي الدفاعي.
صناعة أمام تحديات التكيف
ويرى خبراء اقتصاديون في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن صناعة أشباه الموصلات ستواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على التكيف مع بيئة جيوسياسية واقتصادية متقلبة، إذ قد تدفع التوترات المستمرة الشركات العالمية إلى إعادة تنظيم سلاسل التوريد وتنويع مصادر المواد الخام لتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات الإقليمية.
ولا يقتصر تأثير الحروب على تعطّل سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف فحسب، بل يمتد أيضاً ليؤثر في طبيعة الطلب العالمي على الرقائق، مع توقع زيادة الطلب في القطاعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة، ما يجعل مستقبل هذه الصناعة مرتبطاً بقدرتها على التكيف مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.