عواصم-سانا
مع اتساع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وردّ طهران الذي طال دولاً عدة في المنطقة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن من جهة، أو تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي واسع قد يهدد أمنها واقتصادها من جهة أخرى.
وبين هذين الاعتبارين، برزت تباينات واضحة في مواقف بعض الدول الأوروبية، تراوحت بين الدعم الحذر، والدعوات إلى التهدئة.
تحركات عسكرية أمريكية في بريطانيا واحتجاجات شعبية
وفي هذه الأثناء أفادت تقارير ميدانية بهبوط قاذفة أمريكية استراتيجية من طراز بي‑1 لانسر، وطائرة شحن سي‑5 غالاكسي في قاعدة “فيرفورد” البريطانية، بالتزامن مع مظاهرة شعبية في لندن شارك فيها ما بين خمسة وستة آلاف شخص، طالبوا الحكومة البريطانية بعدم الانخراط في الحرب.
من التردد إلى الانخراط الدفاعي البريطاني
في غضون ذلك شهدت العلاقات بين لندن وواشنطن توتراً بعد رفض رئيس الوزراء كير ستارمر المشاركة في الضربة الافتتاحية ضد إيران، ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى انتقاده، قائلاً: إنه “ليس ونستون تشرشل”، في إشارة الى رئيس وزراء بريطانيا في فترة الحرب العالمية الثانية، معبّراً عن استيائه من تأخر بريطانيا في فتح قاعدة “دييغو غارسيا”.
ودافع ستارمر عن موقفه أمام البرلمان، مؤكداً أن أي تدخل عسكري يجب أن يستند إلى أساس قانوني وخطة واضحة، واستحضر تجربة العراق وأخطاء حكومة توني بلير.
لكن مع تصاعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج، عدّل ستارمر موقفه وسمح باستخدام القواعد البريطانية لأغراض الدفاع الجماعي عن النفس، معتبراً أن استهداف مواقع الصواريخ الإيرانية بات ضرورياً لوقف التهديد.
تعزيزات بريطانية عسكرية في شرق المتوسط
وفي المقابل أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن مقاتلات تايفون وإف‑35 نفذت عمليات فوق المنطقة، وأسقطت طائرات مسيّرة إيرانية، كما تعرض أحد مدارج قاعدة “أكروتيري” في قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة، قبل اعتراض مسيّرتين إضافيتين.
وردّت لندن بنشر المدمرة “إتش إم إس دراغون” المزودة بمنظومة “سي فايبر” للدفاع الجوي، وإرسال مروحيات قتالية مضادة للمسيّرات، بالتوازي مع تعزيزات فرنسية ويونانية مماثلة.
انقسام أوروبي واضح
ومع تصاعد القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران، تباينت مواقف الدول الأوروبية، حيث رفضت إسبانيا المشاركة في الضربات، وقال رئيس وزرائها بيدرو سانشيز: إن “الحلول العسكرية ستفاقم الأزمة ولن تنهي التهديدات الإيرانية”.
أما فرنسا فقد ركزت على دعم أوكرانيا، مع تعزيز وجودها الدفاعي في البحر المتوسط دون الانخراط المباشر في الحرب، حيث أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن “أولوية فرنسا حماية أراضيها ومصالحها دون الانجرار إلى التصعيد”.
بدورها ألمانيا أيدت بعض الأهداف الأمريكية، مثل منع إيران من تطوير سلاح نووي، لكنها دعت إلى الحذر والعودة إلى الدبلوماسية، إذ قال المستشار فريدريش ميرتس: “أوروبا لا تستطيع خوض صراع مفتوح، لكن نفهم الحاجة لمنع تهديد نووي”.
ويعكس هذا التباين صعوبة الحفاظ على موقف أوروبي موحد في ظل التحركات الأمريكية الأحادية.
قبرص في قلب المواجهة
وبعد الهجوم بطائرتين مسيّرتين على قاعدة “أكروتيري”، اتخذت قبرص سلسلة إجراءات عاجلة، شملت إخلاء بعض المطارات المدنية، واستقبال تعزيزات عسكرية من دول أوروبية، وطلب ضمانات من بريطانيا بأن استخدام قواعدها سيقتصر على الأغراض الإنسانية.
تعزيزات بريطانية وفرنسية ويونانية
وبعد الهجوم على قبرص أرسلت بريطانيا مقاتلات إضافية ومروحية “ميرلين” لتعزيز الدفاع الجوي، فيما نشرت فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول” مع فرقاطاتها وطائرات رافال للدفاع عن الجزيرة، في حين أرسلت اليونان أربع مقاتلات إف‑16 وفرقاطتين مزودتين بأنظمة مضادة للمسيّرات.
دور دفاعي لا هجومي
ورغم هذه التحركات، تؤكد العواصم الأوروبية أن مشاركتها تبقى دفاعية ومحدودة، وتركز على حماية القواعد العسكرية والمصالح الأوروبية، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتأمين الملاحة الدولية، دون الانخراط في ضربات مباشرة داخل إيران.
أوروبا بين مراقبة المشهد وتجنب الانجرار
وتُظهر هذه التطورات أن الولايات المتحدة تقود العمليات العسكرية منفردة، بينما تحاول أوروبا حماية مصالحها دون التورط في مواجهة مفتوحة، ويعكس هذا الوضع تحولاً في طبيعة العلاقات عبر الأطلسي، حيث تميل واشنطن إلى التحرك العسكري السريع، فيما يفضّل الأوروبيون الحذر والدور الدفاعي.
ومع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل أوروبا في موقع المراقب، أم أن تطورات الميدان قد تدفعها إلى دور أعمق في الصراع.