بروكسل-سانا
تشهد أوروبا حالياً مرحلة حساسة في ظل التطورات المتسارعة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تشير التقديرات إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون مؤثرة في تحديد حجم الانعكاسات الاقتصادية والأمنية الناجمة عن تداعيات تلك الحرب على القارة العجوز.
وأسهم التصعيد العسكري الجديد في المنطقة في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد الضغوط التضخمية التي واجهتها منطقة اليورو خلال الأعوام الماضية، في وقت تعتمد فيه أوروبا بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
مضيق هرمز ومعادلة الطاقة الأوروبية
ويمثل مضيق هرمز بين الخليج العربي وخليج عمان أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس النفط المنقول بحراً، وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي اضطراب في هذا الممر قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، الأمر الذي ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين في أوروبا، كما يفاقم ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال الضغوط على القارة، رغم جهود تنويع مصادر الطاقة منذ أزمة أوكرانيا.
التضخم والنمو تحت تأثير أسعار الطاقة
وفي هذا الشأن تقدر مؤسسات مالية دولية، بينها “مورغان ستانلي”، أن ارتفاعاً دائماً بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد يرفع التضخم في منطقة اليورو بنحو 0.4 نقاط مئوية، ويخفض النمو بنحو 0.15 نقطة.
كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين حذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في التضخم المرتبط بالطاقة، في وقت تواجه السياسة النقدية الأوروبية تحديات تتعلق بالموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تباطؤ النمو في ظل صدمة عرض خارجية.
الأسواق المالية وردود الفعل الأولية
وتُظهر المؤشرات المالية الأوروبية تفاعلاً حذراً مع التطورات حيث واصل مؤشر “داكس” الألماني التداول قرب مستوياته المرتفعة، بينما اعتبرت مؤسسات استثمارية مثل “بلاك روك” أن التطورات الحالية تمثل “صدمة تقلبات” أكثر من كونها “صدمة إمدادات”، بينما تؤكد تحليلات اقتصادية أن استمرار العمليات العسكرية أو حدوث اضطرابات في الشحن البحري قد يغيّر اتجاهات الأسواق خلال فترة قصيرة.
الاستنفار الأمني الأوروبي
دول أوروبية عدة رفعت مستوى التأهب الأمني تحسباً لتداعيات غير مباشرة للحرب في الشرق الأوسط، وتشير تقارير أمنية إلى أن المخاطر المحتملة تشمل الهجمات الفردية، والاستهداف الرمزي للمواقع الدبلوماسية والتهديدات السيبرانية، كما اتخذت بعض العواصم الأوروبية إجراءات لتعزيز حماية البعثات الدبلوماسية والمنشآت الحساسة، في ظل توقعات بزيادة الأنشطة المرتبطة بالتهديدات الهجينة.
التحركات السياسية والدبلوماسية
بدوره، اعتمد الاتحاد الأوروبي خطاباً يدعو إلى ضبط النفس، وعقد اجتماعات طارئة لبحث أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة وحماية البعثات الأوروبية، وسط بروز تحديات تتعلق بالحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي، في ظل تباين وجهات النظر بين دول تدعو إلى تشدد أكبر وأخرى تفضّل المسار التفاوضي، كما أثار غياب التنسيق المسبق بشأن بعض العمليات العسكرية نقاشات داخلية حول آليات العمل المشترك والعلاقة عبر الأطلسي.
الوجود العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط
ويمثل وجود قواعد وجنود أوروبيين في الشرق الأوسط عاملاً إضافياً في حسابات المخاطر حيث يدفع أي تصعيد بحري إلى تعزيز عمليات حماية الملاحة، وخاصة مع تمديد مهمة “أسبيدس” في البحر الأحمر، كما تلفت تقديرات دفاعية إلى أن اتساع نطاق النزاع قد يفرض زيادة في الإنفاق العسكري البحري والجوي لبعض الدول الأوروبية، بما يضيف أعباء جديدة على الموازنات العامة.
خلاصة المشهد الأوروبي
وبحسب مراقبين ومحللين، تتجه أوروبا إلى مواجهة مجموعة من السيناريوهات المتباينة التي تحمل انعكاسات واسعة على استقرارها الاقتصادي والسياسي، وتشمل هذه السيناريوهات صراعاً قصير الأمد يقتصر تأثيره على تقلبات الأسواق، أو مواجهة مطولة تعيد الضغوط التضخمية وتضعف النمو، أو اضطرابات بحرية تمتد آثارها إلى طرق التجارة وسلاسل الإمداد، بما يفرض تحولات استراتيجية أعمق على مستوى القارة.
ويرى هؤلاء المحللون أن مدة الحرب وحدّة التصعيد تشكلان العاملين الأكثر حسماً في رسم المسار الأوروبي خلال المرحلة المقبلة.